لقاء مع رئيس البلاد
8 سبتمبر 2019
حدثت هذه القصة لصديق لي (فيسبوكي) في دولةٍ عربيةٍ مجاورة، لم أصدّقها بالطبع، فصديقي يعاني من هلاوس نتيجة إصابته بالهذيان الارتعاشي قبل سنوات، لكن صديقي يحلف بأغلظ الأيمان أنّ القصة حقيقية، وأنّ بإمكاني أن اتّصل بالمدرسة وأتاكّد من المعلمين.
لم يصدّق مُعلّم الدراما والكتابة الإبداعية في مدرسة (الغرابة المقلقة)، أنّ سيارة الجيب الفاخرة التي تحمل لوحة حكومية وتطلق منذ عشر دقائق زامورًا متواصلًا قرب بوابة المدرسة جاءت له، ناداه مدير المدرسة من الطابق الأول: "السيارة إلك يا أستاذ؟ اطلع شوف شو بدهم، هلكونا تزمير".
هرول معلم الكتابة الإبداعية وكاتب الروايات الشهير، للطابق الأول، وهو متأكدٌ أن في الأمر خطأ ما. وقف المعلم أمام السائق الذي لم يخرج من السيارة:
- بُكرا على الساعة 9 جهّز حالك أستاذ، راح آجي أوخذك لبيت الرئيس.
- أي رئيس لو سمحت؟ انت متأكد إنه أنا اللي بدك ايّاه؟ أنا عبد الفتاح عبد المعطي أبو خشبة، من قرية "الغيوم المنخفضة"، ممكن بدك حدا ثاني.
- بالضبط انت المطلوب، الرئيس مبسوط من أسلوبك الجديد في التعليم، وزير التربية الفرنسي اللي زار بلادنا قبل شهر حاكي للرئيس عنّك.
- وشو عرّف الوزير الفرنسي في مباداراتي بالمدرسة؟
- اللي فهمته إنه في مخرجة فرنسية مصورة عنك وعن طلابك فيلم، هاي المخرجة بتكون حفيدة الوزير، وهي حكتله كل اشي عنك، استناني بكره هون على 9 صباحًا ما تنسى الله يسعدك.
مات المعلمون من الضحك: "شو أبو خشبة، اوع تنسى تحكي للرئيس يزيد رواتبنا شوي". تجمّع الطلاب حول المُدرّس المضطرب، كانوا يوشوشونه: "شو في أستاذ؟ صحيح الرئيس عازمك على الغدا بكرة؟". أخذ الآذن بيد المعلم: "أستاذ إنت بتعرف وضعي منيح، ويا ريت تحكي للرئيس عن حاجتي لمساعدة مالية بدي أجوّز هالولد". رقص المدير طربًا: "سيارة الرئيس وقفت أمام مدرستي يا لفخري وفخر مدرستي".
لم ينم المعلم "أبو خشبة" وهو يمشي في غرفته بلا توقّف، ما يزال غير مصدق أنّ الرئيس طلب رؤيته ليشكره أو ليبدي إعجابه بأسلوبه الجديد في التعليم. أهناك وقتٌ عند الرئيس لهكذا مواضيع؟ أهي كاميرا خفية يؤديها ممثلون بارعون؟ فكّر باحتمال خدعة ما، أمعقول أنه مقلب من قبل زملائه في المدرسة الذين طالما سخروا من أسلوبه في التعليم، واقتحموا عليه الحصص وهم يصيحون "يا زلمة روح تزوّج أحسنلك"، وحرّضوا عليه الطلاب وأهالي الطلاب، ومفتشي الوزارة، لا لشيء سوى لأنه يفعل أشياء جديدة. لم يكن معلم الكتابة يغضب، وكان الجميع يستغرب من قوة احتماله، وحده ولنفسه كان يبرر كل ما يحدث عبر إيمانٍ عميقٍ داخله بحقيقة أنّ الأشياء الجديدة مقلقةٌ دائمًا ومخيفة، وهذًا جدًا طبيعي.
وقف المعلم أبو خشبة أمام رئيس البلاد، كان هناك أشخاصٌ آخرون مبتسمون يراهم كثيرًا في برامج التلفزيون، كان غير مستوعب لما يحدث، منذ سنتين اختفى التهاب باسور مؤخرته وها هو يعود في لحظة غير مناسبة على الإطلاق.
- هل أنت مريض يا بني؟
- لا يا سيادة الرئيس، أنا بصحة جيدة لكني مرتبك لوجودي أمام حضرتك.
- لا داعي للارتباك، أنا فخورٌ جدًا بك ككاتب ومعلم، أحضر لي مستشاري الثقافي رواياتك، قرأتها في أربع ليالٍ، استمتعت جدًا بسردك الفكاهيّ العميق، وغوصك الذكي داخل غابات النفس البشرية. وما تفعله بالمدرسة، يجعلنا نشعر أننا أمام ظاهرةٍ جديدةٍ لم تحدث في مدارسنا. لقد وصلتني أخبارك وأخبار فعالياتك من باريس؛ من وزير التربية الفرنسي الذي زارني قبل أسبوعين، وهو بروفيسور مشهور وله كتبٌ ودراساتٌ عديدةٌ في شؤون التربية والتعليم.
- هذا يسعدني يا سيدي الرئيس، حقًا لقد صنعت نهاري، وأخيرًا تم الاعتراف بي ككاتب ومعلم.
- أريد منك خدمة يا بني.
- أنت تأمرني سيدي، خدمتك متعة لي.
- لدي حفيدٌ أحبّه جدًا، وأظن أنّك ستحبه حين تراه، يعاني من صعوبةٍ في فهم مواضع الهمزة المتوسطة، سأكون سعيدًا لو زرته في الأسبوع مرة لإعطائه درسًا في هذه القضية الإملائية التي يُخطىء فيها وزرائي ومستشاريّ. لقد اخترتك أنت بالذات بسبب قوة سردك الروائي الذي حتمًا سبقه إتقانك لمواضع الهمزة المتوسطة، ثم أنّي سألت عن تخصصك قالوا لي أنك متخصص في اللغة العربية، فازداد حماسي لك.
وقع المعلم "أبو خشبة" على الأرض، قفز الحُرّاس لرفعه، كان التهاب باسوره قد وصل عنان السماء، كان يتألم والرئيس يسأله بالحاح:
-هل أنت مريض يا بني؟
- لا يا سيادة الرئيس، لكنّي أرغب بالعودة إلى البيت.
في سيارة الرئاسة كان المعلم يبكي، وكان السائق يقول له وهو يضحك: "هذا هو بكاء المفاجأة الرائعة، انبسط يا عمّ الرئيس اختارك من بين آلاف المعلمين لتكون معلم حفيده".
جلس أمام نافذته وراح يفكّر في لغز العلاقة المركّبة بين باسور المؤخرة والهمزة المتوسطة ورئيس البلاد
وصل المعلم إلى بيته، كان يتألم ويضحك في ذات الوقت.
جلس أمام نافذته التي اعتاد مراقبة الشارع منها قبل الكتابة، وراح يفكّر في لغز العلاقة المركّبة بين باسور المؤخرة والهمزة المتوسطة ورئيس البلاد.
اقرأ/ي أيضًا:
الكلمات المفتاحية
معضلة السلاح في غزة بين الأمن الإسرائيلي والحقوق الفلسطينية!
منذ بدأت ملامح مفاوضات ما بعد الحرب على غزة تظهر إلى العلن، عاد سؤال قديم ليتصدر المشهد من جديد: ماذا سيحدث لسلاح الفصائل الفلسطينية في غزة؟
انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني: تجديد للشرعية أم إعادة هندسة النظام السياسي؟
يصعب التعامل مع مرسوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس الداعي إلى إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل باعتباره خطوة ديمقراطية طبيعية أو استحقاقًا مؤجلًا طال انتظاره
مروان البرغوثي وكأس العالم
هل تعلمون أن مروان البرغوثي يشجع بكل ما أوتي من شغف وحماسة منتخب البرازيل في كأس العالم؟ هل تعلمون أيضًا أنه يشجع بإثارة مكثفة نادي ريال مدريد الإسباني؟
الصليب الأحمر: آلاف المدفونين تحت أنقاض غزة قد لا يتم التعرف عليهم أبدًا
أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن خطر عدم التعرف على هوية آلاف الفلسطينيين المدفونين تحت أنقاض غزة يتزايد يومًا بعد يوم
إيران تهدد إسرائيل.. وترامب ينتقد قصف بيروت
قال ترامب إن الهجوم الذي كانت ترد عليه إسرائيل بقصفها للضاحية كان صغيرًا جدًا وغير ذي معنى، ولم يُقتل أو يُصب أو يُجرح أحد
تخصيص ملياري شيكل لصالح مشاريع تطويرية في مستوطنة "كارني شومرون"
قال سموتريتش: لقد حان الوقت للحسم أيضًا في الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها حتى قبل موعد الانتخابات
حماس: سلّمنا ردّ الفصائل على ورقة ملادينوف بشأن غزة
أكدت حماس أن الفصائل الفلسطينية تعاملت مع خارطة الطريق الخاصة بتطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب بمستوى عالٍ من المسؤولية والإيجابية.