أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.51
سعر الصرف 3.54
الدينار الأردني
سعر الشراء 4.95
سعر الصرف 5.01
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 3.92
سعر الصرف 3.95
هربٌ مؤجل

هربٌ مؤجل

يوميًّا أفكر بالهرب.

أستيقظ وقد عقدتُ النية: رأسي أعلى جسدي، وحذائي في قدمي، والمدى مفتوح.

لكنني أؤجل الأمر دومًا، وأقول: تأجيل مؤقت.

بدأتُ كتابة قصيدة رثاء، لكنها لم تنتهِ، وهذه مهمة لا تصلح للانسحاب منها، فقد وصلت إلى مرحلة "البياض" التي وصفها كل من لامسوا الموت أو مر ملَكه بجانبهم، وعليّ أن أكملها. الموت لا يحتمل التأجيل.

الهرب أكثر الخيارات شجاعة، لكننا أجبن من الإقدام عليه. نؤجله حتى نتمم أعمالاً بدأناها، وأمورًا ورّطنا غيرنا فيها، وتورطنا فيها أيضًا

وعندي مشروع رواية، سأكتشف شخصياتها من سوق قريبة، وأبعثرها في الورق، كل واحدة في صفحتين، لتقول ما تشاء، وسأرتب صدفًا للقائها واشتباكها. وأنا أراقب وأضحك وأبكي معها. أفكر بشاب يحبّ صبية بجنون، وسأفطر قلبه، على سبيل التسلية.

اقرأ/ي أيضًا: الحق في المجهولية

هناك قبلات مباغتة متأخرة، لا بد من اصطيادها وتسديدها أيضًا.. "إذا هبّت رياحك فاغتنمها".

عندي بوستات لم أنشرها، وتعليقات لم أرد عليها، وكثيرٌ من اللايكات المعلقة برقبتي كالدين الذي يُسأل عنه المرء قبل أي شيء. وهناك أيضًا رسائل لم أرسلها. وما زلت -قبل ذلك- بانتظار رسالةٍ واحدةٍ لم تصل بعد. الرسائل الجميلة تتأخر عادةً، وقد لا تصل.

على "الفلاشة" كتابان وسلسلة مقالات بانتظار تحريرها وتدقيقها، وقد اعتدت تأجيلها لأنها مملة، وستزيد من حالة الاكتئاب. أيُعقل أن أحرر كتابًا يتحدث عن بطولات "وهمية" لزمن عشته ووُشمت هزائمه على جلدي؟ سأخون فكرتي إذا اكتفيت بجعلها بطولية بشكل لافت، بل وبجعل لغتها ناصعة، كشعر الفخر العربي!

ويكاد الإيميل -أيضًا- ينفجر لكثرة الرسائل. في الليلة الأخيرة قبل الهرب، سأكتب لمرسلي بعض الرسائل المقرفة كم هم سخيفون، وكم هي رسائلهم طافحة بالأخطاء الغبية والمغالطات المنطقية والادعاءات الفارغة.

ثمة قرض عليّ أن أسدّده للبنك، وشيكات اقترب موعد استحقاقها. والبنوك تحب المال. أحب كلام الموظفين الأنيقين، إنهم ماهرون في عملهم. لكنني أدرك لعبة رأس المال. وهؤلاء الموظفون تُروس مثلي في ماكينة لا ترحم. رأس المال يدفع الطيبين إلى الواجهة، مستغلاًّ حب الناس لهم، لتظل يده في جيبك. "يعطيك من طرف اللسان حلاوة".

وهناك فواتير سأدفعها أولاً.

صاحب الدكّان يُلقي عليّ تحية في الصباح وأخرى في المساء، ويتمتم في سرّه: ادفع حسابك أولاً.

وأسمعه بوضوح.

الحقّ ما قالت العينان!

هناك تسريب في الحمّام، لن أغادر قبل أن أتأكد من إصلاحه. ممنوع أن تهرب وقد تركتَ الخراب. سينسى الآخرون فكرة هربك، وستتحمل مسؤولية خراب الكون كله. كل "التسريب" الأخلاقي ستتحمله.

والثلاجة تصفر فيها الريح وتبرّد نفسها منذ زمن. لا شجاعة في الهرب عندما تغرق السفينة. الشجاعة أن تقفز منها إلى المجهول، رغم أنك تعرف أنها ستصل إلى وجهتها. لكنها وجهة لا تناسبك. ستؤثر الانحياز لخيارك المحفوف بالخطر، على حساب السلام الوهمي.

في عِرق الشجرة حبات زيتون لم تلتقطها المفارش. إنها تحنّ إلى أمها. وأنا أحنّ إلى الأرض. لكنّ لكل شيء أوانًا. ولن أهرب قبل أن أجمعها أيضًا.

وقبل كل ذلك، هناك -لكل هارب- أم، لا تغمض عينيها قبل أن تتأكد من نومه.

وهذا ما يكسر ظهري!

لئن كان هربنا مريحًا، إلا أنه سيحطم أمهاتنا. والبرّ الحقيقي ألا تتسبب بالحزنلأمك.

احزن أنت يا صاحبي. احزن وابكِ حتى يحفر الدمع أخدودًا في خديْك. ابكِ ونُح حتى يسمع الكون أنينك. لكن، إياك أن ترحل بقرار، لتترك أمًّا قلقة. قلق الأم يغضب الرب.

احزن أنت يا صاحبي. احزن وابكِ حتى يحفر الدمع أخدودًا في خديْك. ابكِ ونُح حتى يسمع الكون أنينك. لكن، إياك أن ترحل بقرار، لتترك أمًّا قلقة. قلق الأم يغضب الرب

الموت أرحم من حزن الأمهات!

الهرب حالة ذهنية قبل أن يكون فعلاً حقيقيًّا.

الهرب انسحابٌ من حياةٍ تراكم بؤسها حتى لم تعد حياة، ولم يعد الاستمرار فيها ممكنًا.

ماذا أفعل هنا؟

هذا سؤالي اليومي، أردده بلا توقف منذ زمن، وأهرب من الإجابة عنه.

أنظر إلى المرآة فلا أعرفني.

أضحكُ، فيبدو الرجل في المرآة يشبهني. لكن ضحكة الرجل في المرآة حقيقية أكثر، وتدلّ عليّ.

صورتي تشبهني أكثر مني.

صورُنا في عيون الآخرين تُظهر لهم ما نريد أن يشاهدوه. إنهم يشاهدون ابتساماتنا التي رسمناها على أقنعةٍ نخلعها قبل النوم، أقنعة تخفي الدمع والتجاعيد ووجع أيامنا.

الآخرون يرون انعكاسًا زائفًا ومخاتلاً لانكساراتنا. نمشي بين الناس أنيقين معتدّين بأنفسنا واثقين مما نفعل، ونحن من الداخل محطمون متشظون، ولم يعد أمهر العطارين قادرين على إصلاح عطبنا.

أرواحنا ممزقة لا يستطيع أمهر الخياطين أن يرتقها. لقد اتسع الفتق كثيرًا.

لكنني سأهرب يومًا ما.

وتؤرقني الوجهة: أين سأذهب؟

الهرب أكثر الخيارات شجاعة، لكننا أجبن من الإقدام عليه. نؤجله حتى نتمم أعمالاً بدأناها، وأمورًا ورّطنا غيرنا فيها، وتورطنا فيها أيضًا.

يوميًّا أفكر بالهرب. ويوميًّا أؤجل الأمر. لكنه آتٍ لا محالة.


اقرأ/ي أيضًا: 

انكسار الجنوبي

قلاية بندورة في موسم الزيتون

لوحات من مدن النار والقش