أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.22
سعر الصرف 3.22
الدينار الأردني
سعر الشراء 4.53
سعر الصرف 4.55
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 3.78
سعر الصرف 3.78
كيف نفهم رغبة الفلسطيني بالتصوير؟

كيف نفهم رغبة الفلسطيني بالتصوير؟

صورة توضيحية - gettyimages

هناك مشهدان، يمهدان الإجابة على السؤال.

المشهد الأول: زرت القدس يوم الخامس والعشرين من رمضان، بعد غياب لأكثر من 9 سنوات. كانت المدينة هادئة مقارنة بأيام الجمع التي تحاشيتها كي لا أكون ضحية أزمة المدينة المحاصرة وأشواق الناس إليها. كانت المدينة جميلة وبهية، هادئة بالمجمل ورائقة للعبادة والاحتفاء بها، ومن أكثر الأمور التي تلفت النظر في المصلين وعلاقتهم بالمدينة ومساجدها هو "هوس" ورغبة التصوير الجارفة، الذي كان بالنسبة لي بمثابة الفعل الأبرز بعد الصلاة، تصوير من مختلف الأنواع والأشكال (مباشر/ فوتوغرافي/ فيديو..الخ)، وفي مختلف الوضعيات؛ تصوير يقول كل شيء عن علاقة الناس بالمدينة: من توثيق لحظة هاربة لا تتكرر إلا مرة في العام، وصولاً إلى ممازحة صديق أو صديقة لم تتمكن من الوصول للمدينة، وما بينهما من إعلان الوصول والتربع بالمكان والسيطرة عليه، ولو جزئيًا.

لم أر في حياتي هذا العدد من البشر يقومون بفعلٍ تصويري لذاتهم وعائلاتهم وللمكان الذي يتواجدون فيه. هذا فعلٌ جارفٌ يشكل سيلاً عبر الوسائط والشبكات المختلفة

لم أشعر غداة متابعتي للآلاف الذين يصورون أن الأمر مرتبطٌ بامتلاك وتوافر أجهزة حديثة للتصوير، هي في الحقيقة أجهزة اتصال ذكية، فهي أجهزة تدفع بجعل التصوير فعلاً ممكنا بطبيعة الحال، لكن الأجهزة الحديثة ليست فعل التصوير بذاته، أجزم أن المسألة أعقد من أن يتم ردها لهذا السبب، كان هناك شيء أعمق من فكرة امتلاك أداة لتوثيق أمر أو حدث أو زيارة بدلالة أن المواطنين لا يفعلون ذلك في كثير من الأماكن التي يرتادونها.

اقرأ/ي أيضًا: "المحتل".. اسم فاعل واسم مفعول!

لم أر في حياتي هذا العدد من البشر يقومون بفعلٍ تصويري لذاتهم وعائلاتهم وللمكان الذي يتواجدون فيه، ويشكلون مع بعضهم البعض كثافة تصويرية نادرة. هذا فعلٌ جارفٌ يشكل سيلاً عبر الوسائط والشبكات المختلفة، ويستحق أن يكون موضوعًا للبحث والدراسة.

المشهد الثاني: نقلت فضائيات عربية قبل أيام صور قوات الاحتلال تعتقل أفرادًا من عائلة في مدينة القدس. كانت هناك كاميرا موبايل تصور عملية الاعتقال ولحظة اشتباك العائلة مع الجنود، ويبدو أنها لإحدى النشطاء، لكن بموازاة ذلك كانت هناك أكثر من كاميرا "جوال" تصور في البيت المُقتحم. كان الأب الذي يرتدي بيجامة صيفية وفانيلا بيضاء يصور بهاتفه المحمول، يتابع الجنود القادمين لاعتقال أولاده الأربعة، يلاحقهم على درج البيت الممتد بالكاميرا، يدافع عن اعتقال أبنائه ويصور هجوم الجنود وعنفهم، يتقدم جهاز الموبايل حركاته البطيئة.

يضاف إلى المشهدين السابقين أن أي متابعة لتغطية شاشات الفضائيات العربية والعالمية للأحداث في الشيخ جراح أو المسجد الأقصى، ومؤخرًا العدوان على غزة، ستجعلك تشاهد عشرات النشطاء والمواطنين يتزاحمون في كادر المواد التلفزيونية المبثوثة على الهواء مباشرة. فما الأسباب التي تدفع الفلسطيني إلى التصوير؟ كيف نفهم هذا الفعل اللافت والذي يدلل على رغبة عارمة بالتصوير؟

وسنحاول أن نحلل هذا الأمر من خلال ثلاث مقولات للكاتبة الأمريكية سوزان سونتاغ‏ (1933 - 2004) وهي الناقدة والمخرجة والروائية الأميركية التي عرف عنها اهتمامها الكبير بالصورة وسياقاتها المختلفة، وبنشاطها السياسي إلى جانب نشاطها الأدبي، فهي مناهضة لحرب فيتنام، وسافرت إلى مدينة سراييفو للتضامن مع سكان المدينة أثناء حصارها 1989. كما أنها نشطت في حقوق الإنسان، ووجهت انتقاداتها للسياسات الأمريكية.

المقولة الأولى: "أن تصور يعني أن تستولي على الشيء المصور"

تبدو لنا هذه المقولة تفسيرًا عميقًا لجانب من سلوك الفلسطيني الذي يزور مدينة القدس تحديدًا، كما أنه ينطبق على أي مكان مهدد في فلسطين التاريخية. فالفلسطيني لا يصور مدينة القدس مثلاً أو المسجد الأقصى فقط، إنما يصور الطريق كلها ذهابًا وعودة، وأي تفصيل يعيشه في المدينة المحاصرة. شاهدت العشرات في طريق الذهاب والإياب من المدينة المقدسة يصورون الطريق من خلف زجاج الحافلة التي تقلهم. 

هناك ما يشبه الرغبة في تحاشي الفقد بين الفلسطيني وأماكنه المحتلة، وتحديدًا تلك الأماكن التي لا يعرف إن كانت ستبقى له أم لا

فمن أدمن الغياب يحارب هذا الفقد عبر الصور التي تتحول لاحقًا إلى مكان مهم على شبكة الانترنت، كما أن جانبًا منها يصبح مادة ومحتوى على الشبكات الاجتماعية. وما أكثر ما تم نقله ليتم التفاعل معه من جمهور المنصات المختلفة.

اقرأ/ي أيضًا: إذاعة "سرية" في رام الله

هناك ما يشبه الرغبة في تحاشي الفقد بين الفلسطيني وأماكنه المحتلة، وتحديدًا تلك الأماكن التي لا يعرف إن كانت ستبقى له أم لا، بفعل الإجراءات الاحتلالية. هذا فعلٌ متواصلٌ ورغبةٌ عميقةٌ في الإبقاء والاستيلاء على الأماكن، ولو من خلال الصور، جمعها والاحتماء بها، إنها أماكن مصورة ستبقى لك طالما أنت عاجزٌ وغير قادر على فعل ما هو أكثر من ذلك في ظل الظرف الاحتلالي الذي يفرض على الفلسطيني علاقته في أماكنه المختلفة.

المقولة الثانية: "الصورة تساعد الناس في تملك الحيز الذي يحسون فيه بعدم الأمان"

يعيش الفلسطيني حياته وبرفقته قوة كبيرة تحدد له أحلامه وحياته وأماكنه علاقته بهذه الأماكن، إنه يعيش في حيز ومكان لا يشعر فيه بالأمان. وهو لأجل ذلك يطور وسائل من خلال الصورة كي يمتلك المكان الذي لا يشعر فيه بالأمان. أسباب مشاعر عدم الأمان لا يمكن ردها لظرف داخلي مرتبط بالحيز نفسه، إنما لوجود احتلال يفرض على السكان إجراءات قاهرة وقاتلة تحاول أن تنزعهم من حيزهم وصولاً لمغادرته. فالإجراءات الممارسة بحق الفلسطيني، ومن يشاطره مكان عيشه (المستوطنون) لا يمنحون السكان أي شعور بالأمان.

 يطور الفلسطيني وسائل من خلال الصورة كي يمتلك المكان الذي لا يشعر فيه بالأمان

المخرج والباحث صبحي الزبيدي يرى أن مقولة سونتاغ مناسبة لسياقنا الفلسطيني، فهي تنطبق على حالات كثيرة يحدد التضارب/ التناقض علاقة المرء بالحيز/ المكان الذي يعيش فيه، حيث "يكون المرء هناك لكنه ليس هناك" بمعنى أنه يمنع من التفاعل مع الحيز والعيش والحضور فيه، وبالتالي تلعب الصور دورا كبيرا بالتذكير بالعلاقة مع المكان، كما أنها تزود بقرائن تربط الماضي بالحاضر.

اقرأ/ي أيضًا:  الحنين إلى مايكروفون الانتفاضة

يتعمق الأمر إذا علمنا أن الفضاء أو الحيِّز/ المكان الفلسطيني يلعب دورًا كبيرًا في تشكيل الهوية الفلسطينية، والتصوير هنا يلعب دورًا كبيرًا في تلك المسألة المركبة، وهي تفسر نوعًا ما علاقة الفلسطيني في المخيمات والشتات بأماكنهم ومدنهم المحتلة التي لعبت الصورة فيها دورًا كبيرًا في الربط والتجذر رغم البعد والمنافي.

ويطرح الكاتب "هنري لوفيفر" ثلاثة مفاهيم مرتبطة بالحيِّز/المكان يمكن الاستفادة منها في التعاطي مع الحالة الفلسطينية، وهي:

- "ممارسة الحيِّز" وتدل على فكرة الممارسات الاجتماعية كأساس لإنتاج الحيِّز وإعادة إنتاجه.

- "تمثلات الحيِّز" وتدل على النظام الذي يسيِّر علاقات الإنتاج.

- "الحيِّز التمثيلي" ويدل على الدلالات المتخيلة للحيِّز وهي بالعادة مخفية ولا تظهر بصورة واضحة‏.

وفي السياق الفلسطيني، ارتبط الحيِّز على المستويات الثلاثة التي يذكرها لوفيفر، بحسب الباحثة فيروز سالم، بالبنية الاستعمارية، حيث ظلت السيطرة على الحيِّز ومحاولة محوه من ذاكرة ساكنيه الأصليين جوهر المشروع الصهيوني. وهي تقسم الفضاء/الحيِّز الفلسطيني إلى نوعين: أولاً، الفضاء المتخيل القائم على الذاكرة الجماعية الفلسطينية وشعورهم كجماعة متحدة يعرّف وجودها على مكان جغرافي يشمل كل فلسطين التاريخية. ثانيًا، "الفضاء المسموح به" المتمثل بأراضي السلطة الفلسطينية وبمؤسساتها ورموزها المرتبطة بما يحدده لها الوجود الاستعماري‏.

هناك فضاء آخر للحيز الفلسطيني لا يجعل الاحتلال منه مكانًا مسموحًا به، فيكون الاستعانة بالصورة بديلاً عن ذلك

إذن هناك فضاء آخر للحيز الفلسطيني لا يجعل الاحتلال منه مكانًا مسموحًا به، فيكون الاستعانة بالصورة بديلاً عن ذلك، بالإضافة إلى تخيل المكان، حيث تلعب الصورة دورًا كبيرًا في هذا التخيل، وهو ما يفسر الرغبة العارمة بالتصوير في الأماكن التي يتمكن الفلسطيني من الوصول إليها أو يخاف أن يفقدها في حال أتيحت الفرصة لذلك.

المقولة الثالثة: "إن من تم سلبهم في الماضي يكونون أكثر آخذي الصور حماسة"

تصدق هذه المقولة مع الحالة الفلسطينية أيضًا، وهي تتعمق أيضًا في ظل أن من تم سلبهم في الماضي يعيشون حاليًا تجارب سلب وتطهير وعنصرية وممارسات تهجير أيضًا. إنها عملية بدأت وما زالت مستمرة، ما يجعل من مقولة سونتاغ أكثر تعبيرًا عن فلسطين وواقعها.

لقد عانى الفلسطينيون من عملية سلب كبيرة، حيث جاء من احتل أرضهم وهجر نصف شعبهم ويمتلك خطط ورؤى لتهجير الباقي أيضًا لو سمحت له الظروف. فالفلسطيني يعاني من حالة من السلب والفقد ضمن مستويات كثيرة.

هناك حالات ندم نراها على وجوه أناس فقدوا بيوتهم بفعل الإجراءات الإسرائيلية من دون أن يكون لديهم ما يعادل ذلك صورًا ومواد بصرية

لقد سلب الفلسطيني من أكثر من ثلثي أرضه، والثلث الذي يعيش فيه مهدد فيه أيضًا، وهو أمر لا يتوقف، وفي كل مرة يمارس الاحتلال أفعالاً تعكس تلك الفكرة، وهو ما يجعله دائم الرغبة في التصوير كي لا يفقد كل شيء. هناك حالات ندم نراها على وجوه أناس فقدوا بيوتهم بفعل الإجراءات الإسرائيلية من دون أن يكون لديهم ما يعادل ذلك صورًا ومواد بصرية، فهي وسيلة من وسائل الاستعادة حيث تلعب الذاكرة دورًا كبيرًا في ذلك في حال غابت الصور.

أخيرًا، نرى في حراك باب العمود (مع بداية شهر رمضان)، ومن ثم الشيخ جراح، وتاليًا الاعتداءات على المسجد الأقصى والاعتداءات على الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، ومن ثم العدوان على غزة، أحداثًا جسيمة عملت على تجسيد عودة لجوهر القضية الفلسطينية وهي عودة مؤلمة جاءت محمولة لحظيًا بفعل التكنولوجيا الحديثة القادرة على تقديم تغطيات آنية ومباشرة لما يجري، هي تغطية لا تقدم صورة صحافية احترافية دومًا، إنما تنقل أدق التفاصيل وأكثرها وجعًا، هي الأقرب للواقع الساخن دمًا ودموعًا ورفضًا للاحتلال وسياساته.

والمختلف هنا عن كل التنظير السابق هو أن الفعل هو ما منح الصورة التي يلتقطها الفلسطيني بعدًا آخر. إنها صورٌ تعكس فعلاً وتجود به، وهو ما يجعلها أمرًا متجاوزًا للحنين والبكائية التي تتعاطي مع الأماكن في حالات الهدوء والاستقرار، الصورة اليوم تترافق مع الفعل وتقدمه، وهو ما جعل من الصورة تنتقل من الإخبار والإعلام والتوثيق إلى المساهمة بالفعل أيضًا.


اقرأ/ي أيضًا: 

فلسطين والبحث عن لحظة ربيع عربي جديدة

صناع الهوية الفلسطينية