أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.42
سعر الصرف 3.45
الدينار الأردني
سعر الشراء 4.81
سعر الصرف 4.87
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 3.83
سعر الصرف 3.87
ليلة في حصار جامعة النجاح

ليلة في حصار جامعة النجاح

1317 مشاهدة
راية وخالتها نورة تحملان جريدة عبرية نشرت صورتهما أثناء الإدلاء بصوت نورة في الانتخابات

لن تنسَ الجامعات والحركة الطلابية الفلسطينية تاريخ الثالث عشر من تموز/يوليو لعام 1992، عندما فوجئ الآلاف من طلبة جامعة النجاح في نابلس بعد ظهر ذلك اليوم بأنهم محاصرون داخل أسوار جامعتهم، وأن جنود الاحتلال يحيطون بالجامعة من جميع منافذها، ليستمر حصارٌ مدته ثلاثة أيامٍ صعبةٍ على طلبة النجاح وموظفيها؛ بدعوى وجود مسلّحين مطلوبين للاحتلال داخل أسوار الجامعة.

الأيام العصيبة الثلاثة بلياليها مرّت بطيئة على المحاصرين الذين راحوا يحسبون دقّات الثواني، غير آبهين بشيءٍ سوى الصمود في وجه الاحتلال الذي لطالما سعى لكسر شوكتهم دون جدوى، ليسجلوا صمودًا جديدًا في سجّل الحركة الطلابية الفلسطينية.

جيش الاحتلال حاصر جامعة النجاح ثلاثة أيام في عام 1992، بوجود أطفالٍ داخلها، تزامنًا مع انتخابات مجلس الطلبة

نورة أزهري (51 عامًا) كانت تدرس تخصص اللغة الإنجليزية آنذاك، اصطحبت في يوم الثلاثاء الصيفيّ ابنة أختها راية التي كانت تبلغ من العمر خمس سنواتٍ برفقتها إلى الجامعة؛ لأن ذلك اليوم خلا من المحاضرات الدراسية بسبب انتخابات مجلس اتحاد الطلبة، ما جعلها فرصةً مناسبة لأخذ راية ابنة الجيل الذي لم يعرف منذ ولادته غير أزيز الرصاص والغاز المسيّل للدموع في رحلةٍ ترفيهيةٍ قصيرة.

اقرأ/ي أيضًا: جامعات تحت الاحتلال: نظرة قانونية وتاريخية

تُبيّن نورة أنه كان يومًا هادئًا كالمعتاد، وقد أدلت بصوتها في صناديق الاقتراع كما الجميع، حتى بدأت الأمور تأخذ منحى آخر وهم غير مدركين. تقول: "حوالي الساعة الواحدة ظهرًا عندما أراد أغلب الطلبة العودة لمنازلهم، أخبرنا أمن الجامعة أن هناك دوريةً للجيش على المدخل، وطلبوا منا الانتظار حتى ذهاب الدورية؛ خوفًا من أن يقوم الجنود بإعاقتنا خصوصًا وأن معنا أطفال".

وتضيف نورة، "بقينا نؤجّل خروجنا من الجامعة ساعةً تلو الأخرى لحين ابتعاد قوات الاحتلال عن مدخل الجامعة، حتى أيقنّا في الساعة الخامسة مساءً أنها لم تكن مجرّد دورية، وأن الجامعة محاصرة، والذين لم يخرجوا باكرًا في أوقات الصباح أو الظهيرة أصبحوا محاصرين داخل أسوارها".

"شعرت بالتوتر كوني أصطحب طفلة، وشعرت بالندم والمسؤولية تجاه راية، وما خفّف عنّي الخوف أنني لم أكن الوحيدة في تلك الليلة، وكنت برفقة الآلاف من الطلبة". لم تكن نورة الشخص الوحيد الذي يصطحب طفلاً، ولم تجد وسيلة للتواصل مع أهلها لطمأنتهم، فرغم وجود خطوط الهاتف في الجامعة، إلا أن نورة وجدت نفسها أمام صفٍ لا متناهٍ من المتزاحمين أمام تلك الهواتف، فقد كان غيرها الآلاف من الطلبة والأساتذة والموظفين الذين لايقلّون لهفةً عنها لطمأنة عائلاتهم، في حين أن راية كانت تكثر من الإلحاح عليها كي تعود إلى البيت، دون أن تجد نورة غير أن تقول: "انتظري حتى يذهب الجنود عن البوابات".

مع ساعات المساء أيقنت نورة ومن معها أن النوم في الجامعة أمرٌ لا مفرّ منه، وراح الجميع يبحث عن أهم الاحتياجات الأساسية التي تبقي الإنسان على قيد الحياة: الغذاء. تقول نورة: "عندما أدركنا أننا محاصرون، تهافت الجميع على الكافيتريا لشراء ما توفّر من مأكولات، والتي اقتصرت على بعض أنواع الحلويات والتسالي فقط"، حيث لم تصمد الأصناف الموجودة في الكافيتيريا أمام كلّ أولئك الطلبة الجائعين نهاية يومٍ شاقّ مليءٍ بالتوتّر، إذ كانت مقاصف الجامعة قد خَلت من كلّ شيءٍ تقريبًا ما عدا المثلجات قبل شروق شمس اليوم التالي؛ وهذا ما أصاب العديد من الطلبة والطالبات مع انتهاء الحصار بالمرض والإعياء الشديد نتيجة سوء التغذية.

بعد ساعات من حصارها، خلت مقاصف جامعة النجاح من الغذاء، إلا من المثلجات

ومع حلول الليل توجّهت نورة وراية مع بقيّة الإناث المحاصرات إلى مبنى كليّة الآداب والتجارة (كلية الشريعة والتربية حاليًا)، في حين بات الذكور في مبنى العلوم والتربية (الآداب والاقتصاد حاليًا). تُبين نورة أنه تم توفير بعض الحصر والسجاجيد القديمة في القاعات التدريسية، فنامت عليها راية وأقرانها من الأطفال، بينما بقي معظم الكبار مستيقظين في الليلة الباردة، رغم أنها كانت ليلة صيفية.

وبشكلٍ تراكميّ بدأت الصورة تتضح لنورة والطلبة المحاصرين شيئًا فشيئًا، إذ تناقل الطلبة فيما بينهم شائعات عن مُسلحين من حركة فتح دخلوا حرم الجامعة كي يطلقوا الأعيرة النارية في الهواء عند صدور النتائج، وجيش الاحتلال سيُبقي الحصار قائمًا حتى تسليمهم، "لأنهم مطلوبون له".

راية تبلغ الآن (31 عامًا)، ورغم صغر سنّها آنذاك، إلا أنها لا تنسى تلك الليلة الباردة في منتصف تموز! تقول إنها لم تكن تستوعب مجريات الأحداث، لكنها تذكر ذهابها إلى غرفة مليئة بالطالبات الخائفات في مبنى إحدى الكليات. وتُضيف، "بقيت مستيقظةً قدر استطاعتي تلك الليلة وأنا متمسكةٌ بخالتي طوال الوقت، حتى أحسست بالبرد ونمت على حصيرةٍ لوقتٍ لم أشعر بطوله، وأتذكر أنني كنت أسمع أصواتًا من وقتٍ لآخر في تلك الليلة، يليه صراخ الشبّان المستنفرين الذين يقولون كلّ مرّة أن الجيش يحاول اقتحام الجامعة".

مع صباح يوم الأربعاء 14 تموز/يوليو 1992 سُمح للذين يصطحبون أطفالاً بمغادرة الجامعة، وبعد أن تفحّص الجنود المتواجدين على مدخل الجامعة بطاقاتهم وسجلوا أسماءهم، وهكذا استطاعت نورة وراية أن تعودا للمنزل، في حين كانت مدينة نابلس تحت منع التجوّل، وتواجدت سيارات إسعافٍ على مدخل الجامعة لإيصال الطلبة والأطفال الذين استطاعوا الإفلات من الحصار. تقول نورة: "ركبنا إحدى هذه السيارات حتى وصلنا إلى حاجزٍ إسرائيليٍ على بداية قرية دير شرف المجاورة لقريتنا، ومن هناك أكملنا طريق العودة مشيًا على الأقدام".

بقيّة الطلبة المحاصرين ذاقوا الأمريّن مع قضاء ليلتين أخريتين، حتى مساء يوم الجمعة، أما بالنسبة لنورة وراية فليلةٌ واحدة كانت مليئةً بالقصص والذكريات، التي لازالت تلازمهما حتى يومنا هذا، تحديدًا راية التي أصبحت لاحقًا طالبة في نفس الجامعة، ودرست مساقاتٍ في نفس القاعة التي قضت فيها ليلتها خلال الحصار، ولازالت تحتفظ بنسخةٍ من إحدى الصحف الإسرائيلية التي ظهرت صورتها عليها ذلك اليوم وهي داخل الجامعة؛ لتتذكر وتروي لأبنائها عن تلك التجربة.


اقرأ/ي أيضًا:

فيديو | ماذا يقول طلبة القدس المفتوحة عن جامعتهم؟

في غزة.. شهادات خريجين حبيسة أدراج الجامعات

جامعات قطاع غزة: تعليم أم تجارة