أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.45
سعر الصرف 3.46
الدينار الأردني
سعر الشراء 4.87
سعر الصرف 4.93
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 3.80
سعر الصرف 3.84
محمد طارق.. فتى الثورة الصامت

محمد طارق.. فتى الثورة الصامت

7866 مشاهدة

عندما التقينا طارق يوسف في بلدة كوبر، لم يكن قد قرأ بعد وصية نجله الشهيد محمد، منفذ عملية مستوطنة "ادم" التي أسفرت عن مقتل مستوطن وإصابة اثنين آخرين. لم يحبس الرجل دموعه ونحن نُنهي قراءة الوصية عليه، ثم قال: "الله يرضى عليه ويرحمه"، وقد أدرك أن أكبر أبنائه من الذكور قضى نحبه دون أن يحيد عن خط تربيته له.

محمد (17 عامًا)، الفتى الذي لم يعرفه أغلب أهل كوبر عند سماعهم باسمه لحظة تنفيذ العملية، تمامًا كما كان حالهم مع عمر العبد منفذ عملية "حلميش" قبل سنة، بينما يعرفه المقربون من أهله وجيرانه هادئًا خجولاً قليل الكلام، بيتوتيًا أيضًا كما يقول والده لـ الترا فلسطين، مبينًا أنه لم يتأخر يومًا عن العودة إلى منزله بعد أداء صلاة العشاء في المسجد.

محمد طارق، يعرفه المقربون من أهله وجيرانه هادئًا، خجولاً، قليل الكلام، بيتوتيًا، وقد ظل كذلك حتى تنفيذ عمليته

كيف كان يومُكَ الأخير مع محمد؟ عاديًا جدًا، أجاب طارق، مبينًا أن محمد كان هادئًا قليل الكلام كما هي عادته، ولم تظهر عليه أي علامات توحي بأنه يقضي ساعاته الأخيرة في الدنيا، أو ينوي القيام بعمل غير عادي، كما لم يظهر عليه أنه يُخفي أي سلاح بحوزته، بل كان طبيعيًا تمامًا، حتى أنه في هذا اليوم، واليوم الذي سبقه، أصرّ على الصلاة في المسجد وليس في الورشة.

اقرأ/ي أيضًا: فدائي عملية جبع: حان وقت الثورة

وكان محمد بدأ مع شقيقه العمل إلى جانب والدهما منذ أسبوعين، وهم يوم وقوع العملية كانوا في "ورشة" ببلدة الرام غير البعيدة عن جبع التي تُقام على أراضيها مستوطنة "ادم". لكن والده يؤكد أنه لم يذهب على الإطلاق إلى جبع في أي وقت، بل يضيف، "محمد أصلاً حتى ع رام الله ما كان يحب يروح. ما كان تبع مشاوير، وإذا ما عنده غرض في رام الله ما بروح عليها".

كان يوم خميس. بعد انتهاء العمل توجه طارق إلى قرية بيت عور قضاء رام الله، حيث اعتاد أن يذهب من أجل "الخروج في سبيل الله"، في إطار ما يُعرف بـ"جماعة الدعوة" التي تزور مساجد في قرى الضفة الغربية، وتعتكف فيها أيامًا. في ذلك الوقت، عاد محمد مع شقيقه إلى كوبر، لكن في رام الله، طلب محمد منه أن يذهب إلى موقف سيارات كوبر للتأكد من وجود سيارات النقل العمومي وإبلاغه، "فهو لا يحب انتظار الدور والأزمات" كما قال. ذهب شقيقه، وعندما عاد لم يجده، فرجع إلى المنزل بمفرده.

لم تعلم العائلة شيئًا عن محمد بعد ذلك، حتى جاءها الخبر بأن شبهات تدور بأنه هو منفذ عملية "ادم". لم يكن سهلاً على والدته أن تُصدق الخبر، قالت "لعله لحق بوالده إلى بيت عور"، وقالت أيضًا إنه كان قد طلب منها أن تُعدَّ له المنسف ليتناوله بعد العودة من العمل في هذا اليوم. تذكّرت أيضًا كيف عاتبها في اليوم السابق لأنها تأخرت في إيقاظه لأداء صلاة الفجر في المسجد، وقد وعدته بأن لا تفعل ذلك مرة أخرى.

في حديثنا معها، قالت "أم محمد" إن ابنها لم يكن على الإطلاق يائسًا، ولم يُحبَّ الحديث في السياسة وشؤونها، لكنه كان يهتم بمتابعة نشرات الأخبار، ويشاهد أحداث غزة وقتل الناس هناك، مضيفة، "أبصر شو صار معه".

محمد طارق عمل إلى جانب والده لتوفير مصاريف الدورات التعليمية خلال الثانوية العامة

وأشارت "أم محمد" إلى أنه أبلغها بنيته الحصول على دورات تعليمية من أجل تعزيز فرصة الحصول على معدل مرتفع في الثانوية العامة، ولأجل ذلك قرر العمل إلى جانب والده وبدأ ذلك بالفعل قبل أسبوعين من استشهاده. يقول طارق، إن ابنه عند استشهاده كان قد جمّع نحو 1200 شيكل لأجل هذا الغرض، مبينًا أنه كان قد أبلغ ابنيه بأن عملهما إلى جانبه قرار شخصي يتخذانه هما، والأجر الذي يتقاضيانه يعود لهما ولا حاجة له به.

اقرأ/ي أيضًا: الفلسطينيون الحقيقيون في كوبر والقدس

إذن، ليس الفقر ولا اليأس دافعًا لتنفيذ محمد عمليته؟ يرفض طارق هذه الفرضية تمامًا، فمحمد كان "غنيًا بالنسبة لفتى في عمره"، ويبحث عن التفوق في الثانوية العامة، وكان يهتم كثيرًا بمظهره العام، وينتقي بعناية ثيابه وينسقها، "كان يحب يشخص ويلبس" وفق تعبيره، كما أن الضرب وسيلة لم تكن حاضرة في العلاقة بين الرجل وأبنائه على الإطلاق.

ويُبين طارق أن نجله كان جيدًا جدًا في دراسته، لكن معلميه كانوا واثقين من قدرته على أن يكون أفضل، ولأجل ذلك قرر الحصول على دورات تعليمية لتحسين مستواه. ويضيف، "كان ذكيًا ومُتزنًا، رغم أنه كان قليل الكلام، لكنه إذا تحدّث أعجبك كلامه وطريقته في التفكير".

حتى استشهاده، لم يكن محمد قد أبلغ أهله بالتخصص الذي ينوي دراسته في الجامعة، لكنه - وإن كان يُشجع شقيقاته على الدراسة في جامعة بيرزيت تحديدًا - إلا أنه أراد الدراسة في جامعة القدس المفتوحة، حتى يكون قادرًا على العمل مع والده وتوفير مصاريفه الشخصية وتكاليف دراسته كاملة، وفق ما بيّن لوالده في الأسابيع الأخيرة، ولأجل ذلك فقد كان سريعًا في تعلم صنعة الدهان عن والده الذي يعمل بها منذ وقت طويل.

ومحمد، كان هاويًا للبرامج الوثائقية ويتابعها باستمرار، إضافة إلى اهتمامه بمتابعة نشرات الأخبار، بينما كان بعيدًا عن الألعاب الرياضية. لعل ذلك يزيد من الدهشة التي خلفّتها تفاصيل تنفيذه للعملية الواردة من مصادر إسرائيلية عن براعته في طعن ثلاثة مستوطنين، قبل إطلاق الرصاص عليه عندما كان يحاول طعن الرابع. فالفتى ليس قصيرًا، لكنه ليس طويلاً أيضًا، وليس قوي البنية، ولم يكن قد تلقى سابقًا أي تمرينات رياضية تُساعده على تنفيذ عمليته.

في كوبر، التي تعيش هذه الأيام حملة عسكرية هي الثانية من نوعها خلال سنة واحدة، ستقرأ على أحد الجدران كلماتٍ اقتبسها الشهيد محمد في وصيته: "ثوروا فلن تخسروا سوي القيد والخيمة". وستقرأ أيضًا على جداران منزله، "وإن هدّوها رح نبنيها" إلى جانب رسم للشهيد. كما ستقرأ على جدار آخر تساؤلات شُبانٍ من القرية عن الشهيد المُنتظر في سنة 2019، تزامنًا مع الذكرى الأولى لعملية الشهيد محمد، والذكرى الثانية لعملية الأسير عمر، يحدث هذا بينما يجتهد جيش الاحتلال في تلقين أهل البلدة درسًا يبدو واضحًا أنهم يرفضونه.


اقرأ/ي أيضًا:

كيف ينتقم جيش الاحتلال من كوبر؟

عمر العبد لا يندم وراضٍ عن ما فعل

فيديو | عمر العبد مبتسمًا لـ أربع مؤبدات