20-ديسمبر-2018

لم تَكَد العسكرية الإسرائيلية تلتقط أنفاسها بعد معركةِ واد شُوباش في الأغوار؛ حيث تمكن الفدائيون من قتل اللفتنانت كولونيل موشي بيليس، قائد كتيبة المظليين وخمسة من نُخبَةِ مقاتليه، ليعلن جيش الاحتلال بأنه فقد في معركةٍ جديدة في واد القلط قائدًا هامًا في جيشه هو اللفتنانت كولونيل تسفي عوفر1 قائد وحدة "هاروف باترول"2.

لا يمكن أن تُنسى من ذاكرة الكفاح المسلح لشعب لا يزال يواصل مسيرته في المقاومة المُسلحة لأجل الحرية والاستقلال، تلك المعركة التي جرت في واد القلط على بعد 5كم غرب مدينة أريحا، وذلك قبل 50 عامًا، وتحديدًا في 20-21 كانون أول/ديسمبر 1968.

معركة واد القلط وقعت في رمضان، بتاريخ 20-21 كانون أول 1968، بين 8 "فدائيين"، وجيش الاحتلال

كانت الدورية الفدائية مكونة من ثمانية مُقاتلين هم: مفيد حافظ بركات (جمال حافظ) قائد الدورية، ونادر محمود التاية (عبد الناصر) نائب القائد، حسين عمر أبو حاشية (علي الغول)، محمد شريف بدر عساف (مغوار)، جميل لطفي أبو صقر (عطية عدنان)، عبد الكريم أحمد حمودة (أبو أحمد)، حسن ياسين القواسمي (سعد)، علي شحادة الجعفري (علي جبار) وهو دليل المجموعة.

اقرأ/ي أيضًا: معركة الواد الأحمر.. شهداء نسيت أسماؤهم

في معسكر الشونة، حيثُ لا يَبعدُ المُقاتلون كثيرًا عن نهر الأردن، وصل القائد خليل الوزير "أبو جهاد"، وجلس إلى المقاتلين الثمانية المُدربين والمُستعدين للعمليات الطويلة في الأرض المُحتلة، وأبلغهم عن تفاصيل المهمات والرجال الذين سيكونون في استقبالهم في منطقة واد الجوز في القدس. كان من جُملة المهام: تنفيذ عملية في منطقة حائط البُراق ليلة 1/1/1969، وتجنيد خلايا وإقامة قواعد في القدس وجبال الخليل، بالإضافة إلى مهام أمنية تتمثل بجمع معلومات وأخبار لقيادة الثورة.

عند الساعة التاسعة مساءً، يوم الخميس 19 كانون أول 1968، تحركت دورية العمق بعد أن تناول أفرادها على مائدة الإفطار "طُنجرة مقلوبة" كانت الأخيرة في المُعسكر، على أن تكون الوجبة القادمة في الأرض المحتلة، وتحركوا من معكسر الشونة إلى ضفة النهر بالقرب من المغطس، تُرافقهم مجموعة الحماية والإسناد، على رأسها الضابط سَعد العراقي ليؤمّن لهم التحرك غرب النهر.

عند النهر تم تفقد الذخيرة والجُعب والأسلحة وقاذف الـ "أربي جي 2" لآخر مرة، قبل أن يتعانق الرجال ويتعاهدوا على الالتقاء في القدس المحررة، ثم نُصِبَ عجل (كاوشوك) ليعبروا على ظهره إلى الضفة الأخرى من النهر، في صمت ودون أي حركة قد يتنبه لها العدو في الجهة المقابلة، ومن هُنا بدأ العد التنازلي للعبور نحو فلسطين.

بعد عبور النهر كان على الفدائيين اجتياز الأسلاك وحقل الألغام والطريق الرملية، كانت مهمة صعبة لأن التُربة طينية وموحلة بسبب الأمطار، ومن المستحيل العبور من غير ترك آثرٍ يدل عليهم، ولأجل ذلك ارتدت المجموعة صوف (فرو) فوق الأحذية للتمويه على خطواتهم.

في الطريق لوادي القلط، ارتدى "الفدائيون" صوف أغنام فوق أحذيتهم للتمويه على خطواتهم 

كان الليل ساترًا والهدوء يعمُّ نقطة جيش الاحتلال، وعلى الفدائيين التحرك غرب النهر نحو أريحا بحذرٍ شديد من غير إثارةٍ للانتباه، وأن يواصلوا السير بلا توقف حتى مزرعة العلمي "المشروع".

اقرأ/ي أيضًا: معركة القعدة: أبناء النكبة يقولون كلمتهم

عند مزرعة العلمي، خلع الفدائيون صوف الأغنام عن أحذيتهم وألقوا به في بئر قديمة ومضوا نحو أطراف مخيم عقبة جبر يقودهم الدليل علي جبار (علي الجعفري) ابن المخيم. وعند تلة صغيرة تُشرف على ما حولها بالقرب من عين الديوك جلس الفدائيون الثمانية، أخرجوا من جُعبهم بعض الطعام وأكلوه على عجل وهم يتأملون البلاد وساحريتها في ليلةٍ شديدة البرودة.

مرورًا بالطريق أسفل دير القلط، عبر الفدائيون نحو واد القلط (القلت) ذو التضاريس القاسية والممرات الضيقة والمنحدرات الوعرة، وتسلقوا الصخور إلى حيث حدد دليلهم المكان المُناسب كي يكمنوا فيه.

 انقسموا إلى ثلاث مجموعات وتوزعوا في المكان، مجموعة نزلت إلى قلب الواد وتحصنت بين أشجار القُصيب العالية وهم: جمال حافظ، عبد الناصر ومغوار، فيما تحصن عطية عدنان وأبو أحمد في مغارة في الاتجاه المقابل، وتحركت المجموعة الثالثة: علي الغول، سعد، علي جبار إلى مغارة مُرتفعة تشرف على مدخل الواد.

في ساعات الصباح الأولى ليوم الجمعة 20 كانون أول، بدأت الطائرات تجوب سماء المنطقة بحثًا عن من عبر النهر، وكانت تتحرك ذهابًا وإيابًا في المنطقة بشكل عام، ومع ساعات الظهر بدا واضحًا أنها تحوم حول منطقة الفدائيين.

عند الساعة الرابعة كانت الطائرات ووحدات التتبع قد حددت مكان الفدائيين، وقد أدرك الفدائيون بأن ساعة المعركة حانت، وأن شمس اليوم الأخير من رمضان لن تغيب قبل الاشتباك مع العدو.

 وبلا مقدمات بدأت مكبرات الصوت تنادي: "فدائي سلم نفسك"، ثم تلا ذلك القصف العشوائي من الطائرات العمودية (الهليكوبتر) والمدفعية للمكان، كُل شيء في الواد بدأ يهتز ويتحرك بفعل كثافة النيران وتتابع القذائف.

حسن القواسمي

يستذكر الأسير المحرر حسن القواسمي (سعد) تلك اللحظات قائلاً: "سيطر الجيش على المنطقة وأحكم إغلاقها جوًا وأرضًا، وصار الفدائيون تحت مرمى النيران، وقد طوّق الجيش الواد وسيطرت قواته على مَدخَليّ الواد الشرقي والغربي، وتمركز الجنود على المرتفعات في الشمال والجنوب، وكانت السماء مَسرحًا للطائرات العمودية والقذائف الصاروخية. حاولنا جاهدين عبر تصويب النيران بشكل مباشر على زجاج الطائرة لكسره وإصابة من فيها ومنعها من مواصلة إطلاق النيران إلا أنّ الزُجاج كان قويًا رغم استخدامنا لرصاص حارق خارق، وعلى الرغم من التحليق المنخفض للطائرات".

"لم يكن هناك بطولة من قبل الجيش في تلك المعركة" يقول أحد أفراد الدورية التي قاتلت في معركة واد القلط

"لم يكن هناك بطولة من قبل الجيش في تلك المعركة"، هكذا يصف الأسير المحرر عطية عدنان (جميل أبو صقر) تلك المعركة، مضيفًا، "كان الجيش يستخدم كل قوته العسكرية لحرق الأخضر واليابس في الواد، ويطلق النيران بلا توقف كي يقتل الفدائيين، وقد تدخلت المدفعية والطائرات وبدأت الأسلحة الخفيفة والثقيلة تصب جام غضبها على الواد والتجاويف الصخرية والمُغر".

تحت كثافة النيران صمد الفدائيون وردوا على النار بالمثل، وناوروا لتمتد المعركة لوقت أطول، في محاولة لاستدراج الجيش للتقدم للمواجهة والاشتباك، وتجنبوا استخدام كامل الذخيرة أو التحرك من مواقعهم، لأن أي حركة تعني الموت المُحقق.

بعد ساعتين من الاشتباك المتواصل ولهيب القذائف الذي طال كل منطقة الواد، أصيب عطية عدنان وأبو أحمد (عبد الكريم حمودة)، ولم يطل الأمر حتى تم اعتقالهما. بدأ الجيش يضغط عليهما لأجل إقناع رفاقهما بالاستسلام، قبل أن ينقلا إلى المستشفى للعلاج، حيث كان عطية عدنان مُصابًا في قدمه ويده وغير قادر على الحركة.

وأمام القصف العنيف والاستهداف المباشر للواد، كان على جمال حافظ وعبد الناصر ومغوار، مُغادرة أشجار القُصيب والزحف نحو مغارة قريبة، وقد اكتُشِفَت المجموعة أثناء تحركها فتكثفت النيران تجاههم، ووجهت نيران المدفعية والقذائف الصاروخية للمغارة بشكل مباشر.

تسيفي عوفر

وعندما توقفت نيران الفدائيين من داخل المغارة تقدم قائد كتيبة المُلاحقة اللفتنانت كولونيل تسفي عوفر، ومعه مجموعة من نحو 15 جندي، لـ"تطهير" المكان، وحين وقف على مقربة منهم انطلقت النيران نحوه فأصابته مُباشرة في رقبته ورئته، وسقط إلى قاع الواد عن ارتفاع لا يقل عن 10 أمتار.

أسفرت معركة واد القلط عن مقتل اللفتنانت كولونيل تسفي عوفر، واستشهاد فدائيين، وأسر 6 آخرين

توقف الاشتباك في تلك المنطقة وارتفع صُراخ الجنود لمقتل تسفي عوفر، وبقيت جثته مُلقاة في الواد، ولا سبيل لإخراجها خوفًا من رصاص الفدائيين، وعند منتصف الليل، خفتت النيران والقذائف، ذلك أن الجيش خشي من الاستمرار بالبحث في الواد فيخسر مزيدًا من الجنود.

موقع معركة واد القلط

مع ساعات الصباح الأولى ليوم السبت 21 كانون أول، بدأت السماعات تُنادي على الفدائيين لأجل الاستسلام، وبدا واضحًا حضور قياداتٍ ذات رُتب عُليا من الجيش لإدارة المعركة، ثم تجددت الاشتباكات وظلت المروحيات والمدفيعات تدك المغارة بقوة. وتحت وابل من الرصاص تم تأمين هبوط مروحية لانتشال جُثة الضابط القتيل.

 حين وصل الجيش للمغارة وجد بداخلها شهيدين وجريح. كان الشهيدان هما جمال حافظ (مفيد حافظ بركات) ابن منطقة واد الجوز في القدس، وإلى جانبه نائبه عبد الناصر (نادر محمود التايه) ابن بلدة بيتا قضاء نابلس، والمُصاب هو مغوار (محمد بدر عساف).

الشهيد نادر التايه

واصل الجيش عمليات البحث لمعرفة مكان المجموعة الثالثة، وتم له ذلك -حسب رواية الأسير المحرر حسين أبو حاشية- عند منتصف النهار، حيثُ تم تطويق المغارة من كل الجهات وبدأ الاشتباك. يقول أبو حاشية: "صارت القذائف تتوجه مباشرة إلى قلب المغارة، لكن لطف الله شاء أن تكون هذه المغارة من التراب الأبيض "حُوَّر"، حيث صارت القذيفة تدخل في التراب، وحين تنفجر لا تقتلنا بشظاياها والصخور المتطايرة".

حسين أبو حاشية

كانت الكلمة الأخيرة في هذه المعركة لقذيفة الأنيرجا التي انفجرت في المغارة عند الساعة الواحدة تقريبًا فأصابت الفدائيين الثلاثة، وأخرجتهم غير قادرين على التحرك أو الرؤية.

قبل غروب شمس يوم العيد، كانت طائرة عمودية قد حملت أربعة من الأسرى الجرحى إلى المقاطعة في أريحا، وكانت قبل ذلك نقلت أسيرين جريحين في الساعات الأولى من المعركة، أما جثماني الشهيدين مفيد ونادر فقد عُلقا أسفل الطائرة التي حلقت في السماء انتقامًا منهما.

في تلك الليلة بدأت رحلة التحقيق مع المعتقلين الستة في السجون، حُكم على كل منهم بالسجن 4 مؤبدات وعشر سنوات، لكن خمسة منهم تحرروا في صفقتي تبادل الأسرى مع حركة فتح في 1983، ومع الجبهة الشعبية - القيادة العامة في 1985، أما السادس فهو علي شحادة الجعفري، واستشهد في إضراب الأسرى عام 1980.


1. تسفي عوفر: مقاتل صهيوني على درجة عالية من التدريب، يعد في أدبيات جيش الاحتلال واحدًا من أشد وأفضل المقاتلين، قاد عملية احتلال الخليل وبيت لحم في حرب ال1967، ليصبح أول حاكم عسكري للخليل قبل أن يُنقل ليكون حاكمًا عسكريًا لمدينة نابلس، وتشير سيرته لدوره في عدد من المعارك والعمليات التي شارك فيها على جميع جبهات دولة الاحتلال.

2. هاروف باترول: وحدة استطلاع في جيش الاحتلال أنشئت في العام 1966 وتم حلها في عام 1974، وكان مقاتلوها قد اختيروا من لواء المظليين؛ ليكونوا وحدة كوماندوز من الوحدات الثلاث للكوماندوز في جيش الاحتلال. كانت مهمة الفرقة الأساسية عند الحدود الأردنية، وقامت بدورٍ في حرب حزيران 1966 بين شمال القدس حتى نابلس. فقد عملت هذه الوحدة على نصب الكمائن في الأغوار وملاحقة وتعقب الفدائين وملاحقتهم. وتتلقى هذه الوحدة أوامرها مباشرة من القيادة المركزية المسؤولة عن كل وحدات الجيش، وخلال فترة المعركة (68-73) كان المسؤول عن هذه القيادة، الجنرال رحبئام زئيفي.     


اقرأ/ي أيضًا: 

معركة الصوانة: ثمار انتصار "الكرامة"

معركة الدريجات.. قاتلوا حتى نفدت ذخيرتهم

اغتيال عند باب الأسباط