أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.35
سعر الصرف 3.43
الدينار الأردني
سعر الشراء 4.68
سعر الصرف 4.89
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 3.91
سعر الصرف 4.08
مكتبات مثقفي نابلس.. سيرة ضياع وتفريط

مكتبات مثقفي نابلس.. سيرة ضياع وتفريط

12718 مشاهدة

خطوات قليلة تفصل بين مكانين في نابلس؛ قاربت بينهما الجغرافيا وباعدت القيمة الثقافية، الأول: حديقة المنشية في شارع الشويترة في المنطقة الغربية من المدينة، والثاني: محل لبيع الخردوات، والأشياء القديمة، دخلته صدفة، ويقع على الرصيف المقابل لمكتبة البلدية.

حديقة المنشية بما تختزنه من تاريخ بدأ بنشأتها في العهد العثماني، إلى بدايات القرن العشرين حين ضمت بين جنباتها أنشطة الحركة الوطنية الفلسطينية التي كانت تعقد فيها مؤتمراتها الوطنية، ثم تحولت في عام 1960 إلى أول مكتبة عامة في فلسطين، وانتهاءً في الوقت الحاضر حين التقيت بمدير مكتبة بلدية نابلس ضرار طوقان في مكتبه فيما يبدو من وراء ظهره الخبر الذي يشير إلى حضور الملك حسين لافتتاح المكتبة، في عهد أحمد السروري رئيس بلدية نابلس آنذاك، وقد وُضع ضمن إطار مذهَّب في تباهٍ واضح بأهمية هذا الحدث.

مكتبات فلسطينية خاصة في نابلس تضم مخطوطات نادرة وكتبًا علمية قديمة انتهت في محل "خردة" وتنور مخبز وفي الجامعة العبرية

وعلى مسافة خطوات فقط؛ محل بيع "الخردة" والأشياء القديمة، دخلته صدفةً لأجده يبيع كتبًا قديمة وفي شتى العلوم، ملقاة على الأرض وفوق الرفوف القديمة، وفي حقائب مفتوحة تظهر من خلالها الكتب التي يملؤها الغبار، والتي كانت تباع بسعر زهيد والمقياس في ثمنها يعود إلى حجم الكتاب، و تاريخه، دون التفاتٍ للقيمة العلمية التي يحملها، أو حتى للقيمة الشخصية لمالكها الذي كان له فضل إنشاء مكتبة البلدية في الجانب الآخر من الشارع.

اقرأ/ي أيضا: الاستقبالات النابلسية.. رحلة في عالم النساء المنسي

هذه الكتب بكامل الأسى والحزن الذي يلفها، كانت تعود إلى مكتبة السروري الذي كان له فضل كبير في حفظ الثقافة والعلم في مدينة نابلس؛ إضافة إلى تطوير شبكتي المياه والكهرباء فيها. ضياع مكتبة السروري وحالة التشتيت التي عاشتها كتبه دفعتنا لفتح هذا الملف الشائك.

سامر خنفر صاحب محل "الخردة"، يجهل القيمة المعنوية للسروري؛ فهو بالنسبة له رجل محترم، كان يمتلك مكتبة خاصة تحوي الكثير من الكتب التي تتعلق بالعديد من الموضوعات العلمية والأدبية والتاريخية. هذه المكتبة بيعت له بعد إقناعه بكونها تحوي مخطوطات قديمة تمتلك قيمة مادية كبيرة، فاشترى المكتبة بكامل كتبها الـتي زاد عددها عن 600 كتاب، أملاً بكونها تحوي تلك الكتب القديمة والثمينة.

ورغم أن خنفر فوجئ بأن المكتبة تخلو من هذه المخطوطات، إلا أنه وجد العديد من الكتب التي يزيد تاريخ طباعتها عن 100 عام، باع منها عددًا كبيرًا لأناس يبحثون عن هذا النوع من الكتب من الداخل الفلسطيني المحتل، ويهتمون باقتنائها لأسباب عديدة، كما باع جزءًا منها لسكان المدينة الذين يبحثون عن الثقافة بسعر قليل.

المكتبة التي اشتراها خنفر مقابل 2000 شيكل فقط، (أقل من 600 دولار)، وجدنا عند تصفحها أنها تحوي كنوزًا؛ فهذه الموسوعة البريطانية بكامل أجزائها، وكتب السنهوري القانوني الشهير والشروحات التي وضعها على القوانين بأجزائها الكاملة، وروايات نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، وروايات عالمية كقصة مدينتين وزوربا.

وإلى جانب ذلك أيضا كتب مهداة للسروري من مؤلفيها شخصيًا، وكتاب في قوانين الأراضي في فلسطين خلال الاحتلال البريطاني، وكذلك كتاب الأغاني الشهير في الموسيقى والأدب، إضافة لكتب تاريخ، وجغرافيا، وفقه وأصول، والكثير من الكتب الطبية بلغات أجنبية.

كما وجدنا تقريرًا نادرًا عن إنجازات بلدية نابلس خلال تولي السروري رئاستها، كلها كانت تتناثر هنا وهناك منتظرة من يشتريها كأي "خردة" تمتلئ بها دكان خنفر الصغيرة، فتملأ القلب غصة تبخيسها.

الحديث مع التاجر خنفر دفعنا للبحث عن مكتبات خاصة أخرى قد تكون أُهملت وبيعت فضاعت، وهذا البحث أوصلنا لداوود مكاوي صاحب مكتبةٍ تتواجد على مسافة ليست بالبعيدة من محل خنفر.

حدثنا مكاوي عن زميل دراسته صاحب الفرن العربي الذي يعمل على الحطب، والذي دعاه ليكون شاهدًا على جريمة هدر وإضاعة كتب وضعها ورثة متوفى من إحدى العائلات المعروفة في نابلس، كان عضوًا في المجلس البلدي، إذ وصلت الكتب إلى صاحب الفرن ليستخدمها في إشعال نار تنوره.

ويضيف مكاوي، "وجدت الكتب ملقاة على الأرض؛ كتب ومجلات ودوريات قديمة وهامة، منحها أصحابها لصاحب الفرن لتُحرق فكان أرحم بها، فاخترتُ منها الكثير وأضفتها لمكتبتي الخاصة في البيت لأهميتها وقيمتها المعرفية والعلمية والتاريخية".

وريث عائلة مرموقة في نابلس رفضت جامعة فلسطينية شرطه لإهدائها مكتبة علماء عائلته فباعها للجامعة العبرية الإسرائيلية

حدثنا مكاوي أيضًا عن مكتبة أخرى لأحد علماء نابلس القدماء من حارة الياسمينة وهو الشيخ أحمد الخماش؛ الذي كان من المقتنين النادرين للكتب الدينية باللغتين العربية والتركية القديمة، التي كانت تكتب بالأحرف العربية، وكيف عبث الناس بها، فسرق البعض مخطوطات كثيرة منها، فيما عبث "العث" بالبقية الباقية منها فأتلفت ثقافة كانت ستكون بالتأكيد هامة للمدينة وأهلها.

وشارك الحمام الذي كان يسكن في داره المهجورة في الجريمة فأفرغ على ما تبقى منها أوساخه، وكذا حدث مع مكتبة أحد مؤسسي نقابات العمال ومن أعضاء الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي باع ورَثتُهُ منزله بما في ذلك مكتبته التي تُركت في صناديق كرتونية فضاعت ولم يُعرف مكانها حتى الآن.

وأضاف مكاوي، بأن أحد أبناء العائلات المرموقة في المدينة أنهى احتفاظ عائلته بالمكتبة التي ورثتها عن علماء ومثقفي العائلة بشكل مأساوي، عندما رفضت إحدى الجامعات الموافقة على طلبه الذي يشترط فيه توظيفه في هذه الجامعة مقابل المكتبة التي سيهديها لها، فقرر أن يبيعها لمكتبة الجامعة العبرية مقابل عشرات الآلاف من الدولارات. هذه المكتبة تحوي الكثير من المراسلات بين أفراد عائلته والدولة العثمانية، وهي وثائق مخطوطة نادرة.

اقرأ/ي أيضا: وأنت.. ما رأيك بتسمية "عرب إسرائيل"؟

هذه النهايات المفجعة طالت أيضًا مكتبة أحد أهم علماء الحنابلة في مدينة نابلس في القرن الثاني عشر الهجري، وهو الشيخ السفاريني، إذ يفيد يوسف الأوزبكي أمين المخطوطات في المسجد الأقصى أن المكتبة التي كانت تمتلئ بالمخطوطات النادرة لعلماء الحنابلة، باعها ورثته لعائلة الشطي في دمشق.

لكن جزءًا من مكتبة الشطي ومنه مكتبة السفاريني اختفى 100 عام، لتُكتشف بعدها في فهرس جامعة "برنستون" في (قسم ابراهام يهودا)، وهو جامع للمخطوطات العربية والإسلامية، وقد استقرت مجموعته في أواخر الستينيات من القرن العشرين في الجامعة العبرية في القدس، بناء على وصية يهودا.

مكتبة أحد علماء الحنابلة في نابلس بيعت لمكتبة في دمشق ثم اختفت منها لتصل إلى جامعة "برنستون" ومنها إلى الجامعة العبرية الإسرائيلية

هذه الروايات دفعت الكثير من طلبة الدراسات العليا والباحثين إلى اللجوء للجامعة العبرية للحصول على وثائق ومعلومات تثري أبحاثهم؛ أحدهم كان يُعد دراسة عن إضراب 1936، وحصل على البيانات التي أصدرتها فصائل الثورة بكاملها من الجامعة العبرية، كما أكد مكاوي.

الجامعة العبرية التي تدرك أهمية الكتاب والمكتبات الفلسطينية، اعتمدت على موظفين يختصون بتجميع الكتب الصادرة في الضفة الغربية بأساليب كثيرة، وقد اعتمدت في بعض الأحيان على فلسطينيين في هذه المهمة.

لكن مخاوف بعض أصحاب المكتبات من ضياع كتبهم دفعتهم إلى إفراد فقرة خاصة في وصيتهم لتوريثها لشخص ما من العائلة، كما حدث مع المؤرخ إحسان النمر الذي ألف ما يقرب من 50 مؤلفاً طُبع منها في حياته 34 مؤلفاً، وكان أهمها الكتاب المرجعي عن نابلس "تاريخ جبل نابلس والبلقاء". 

وأوصى النمر في آخر حياته "بطباعة ما بقي من كتبه، وأن لا يخرج أي كتاب من مكتبته الخاصة التي تحتوي على ما يزيد عن ألف كتاب، وأن ما في المكتبة ملك خاص لابنته الوحيدة خديجة"، التي التقينا بها في منزلها في قصر النمر التاريخي، وأطلعتنا على محتويات المكتبة التي تحافظ عليها وتهتم بها، إلا أنها تُقيد الباحثين من الاستفادة منها.

كما سعى ورثة مكتبات عديدة للحفاظ على مكتبات ذويهم من خلال إهدائها للمكتبات العامة، التي أفردت لها مكاناً خاصاً، كمكتبة بلدية نابلس ومكتبة جامعة النجاح، وغيرهما. فالزائر لمكتبة البلدية في مدينة نابلس يلاحظ في الطابق الثاني في قسم الأرشيف الأماكن المخصصة للمكتبات الخاصة المُهداة؛ مثل مكتبة قدري طوقان، والمؤرخ إبراهيم الفني، والدكتور محمود عطا الله، ومكتبة شوكت زيد الكيلاني، الذي تولى رئاسة جامعة النجاح لعامين وتبرع بمكتبته لها.

اقرأ/ي أيضا: الفلسطينيون في تشيلي.. البداية من اللا شيء!

وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض العائلات الفلسطينية قد أهدت مكتباتها الخاصة للجامعة الأردنية، كعائلة زعيتر التي أهدت مكتبة عادل زعيتر المترجم والمؤلف والمؤرخ الفلسطيني النابلسي، بالإضافة إلى إهدائهم جزءًا منها لمكتبة بلدية نابلس بعد إنشائها، كما ذكرت لنا ابنته المحاضرة في جامعة النجاح الوطنية الدكتورة نائلة زعيتر.

باحثون فلسطينيون اضطروا للجوء إلى الجامعة العبرية الإسرائيلية للوصول إلى وثائق ومعلومات هامة عن فلسطين كانت تتوفر في مكتبات المثقفين الفلسطينيين

ويتحدث زهير الدبعي مسؤول المراكز الثقافية في بلدية نابلس، عن انتهاء الجيل الذي كان مهتمًا بالمكتبات والكتب، مضيفًا، "من المفترض أن يتم تحديد جهة ما بغض النظر عن المرجعية التي تحكمها سواء من بلدية نابلس أو وزارة الثقافة، لتنشئ سجلاً توثيقيًا يحصر عدد المكتبات الخاصة (في المنازل)، لتكون هناك فكرة على الأقل بموجودات المكتبات وحجمها وبعض الأمور النادرة فيها، وهو الأمر غير المعمول به للأسف حتى الآن".

وتتضمن مذكرات رحالة زاروا نابلس مديحًا لعلمائها ومؤرخيها وأهل العلم فيها، فالكثير منهم حضر هنا للتزود من علم علمائها ومكتباتها التي تحوي نوادر المخطوطات وأكثرها قيمة. وأكثر ما يخيف في هذه الأيام هو عدم الاكتراث المتزايد لدى ورثة المكتبات الخاصة بمكتبات بيوتهم؛ وأن تصبح الكتب، بالنسبة لهم، خير مُكتنز، وشر موروث، كما يقولون، وأن تخسر نابلس تاريخها الثقافي والعلمي، وعقلها وزادها المعرفي.

اقرأ/ي أيضا:

الكنافة حين تعطي للمدينة شيئًا من مذاقها

"كنتُ أتعاطى المخدرات في بيت مستوطن"

رحلة شتوية في تراث فلسطين