11-سبتمبر-2018

تهاني وعلا أبو رمح شقيقتان من مدينة جنين. عاشتا يتيمتي الأب، إذ توفي وأكبرهما (علا) في الرابعة من عمرها. لكنهما ورثتا أراضي كثيرة من والدهما الذي كان من كبار المُلّاكين في جنين، مما ساعدهما على العيش برفاهية حتى بعد وفاة والدهما. تقول تهاني إنها قبل 20 عامًا قررت وشقيقتها بيع قطعة أرض صغيرة المساحة في جنين. عرض المواطن (س) من جنين على الشقيقتين شراءها بثلاثة آلاف دينار. تقول تهاني: "لم نكن بحاجة لثمنها، لكن كان من الممكن أن تضيع القطعة بين الشوارع بسبب عدم تنظيم دائرة الطابو في حينها".

تتابع تهاني: "كنت قد أنهيت مرحلة الثانوية العامة في حينها، وشقيقتي في سنتها الجامعية الثانية، ولم تكن لدينا الخبرة الكافية في أمور البيع. كنا نعرف أن اسم الأرض (المربعانية) ولا نعرف مساحتها بالضبط أو رقم القطعة أو الحوض الذي تقع فيهما. طلب (س) من صديقه المحامي (ر) إقناعنا ببيع الأرض. ذهبنا إلى المحكمة لإتمام إجراءات البيع، حيث قال لنا القاضي: هل بعتم القطعة رقم كذا حوض كذا لفلان؟ أجبنا بنعم. فرد القاضي: لكن ثمن هذه الأرض أكثر من ذلك بكثير".

الترا فلسطين يوثق شهادات عن مُخالفات ارتكبها محامون، كيف يؤثر ذلك على صورتهم مجتمعيًا وثقة الناس بهم

تضيف تهاني: "في اليوم التالي اتصل (س) بعمتي يسألها إن كانت تريد بيع حصتها في أرض (سلطانة) التي اشتراها منا دون علمنا. بعناه أرضًا ثمنها 30 ألف دينار بثلاثة آلاف دينار. أُصبنا بالهلع وبكينا كثيرًا عندما أيقنَّا ما فعله بنا، وعندما توجهنا له قال لنا بكل وقاحة: القانون لا يحمي المغفلين".

اقرأ/ي أيضًا: الصحفيون: يا ليت لنا مثل ما أوتي المحامون

"أما صديقه المحامي، فظل يماطل بالقضية لإرجاع الأرض مدة عشر سنوات. وفي نفس الوقت كان صديقًا لهذا الرجل وكنا نعلم أنهما يلتقيان دومًا للعب الشدة. الآن ليس لديَّ أيُّ ثقة بالمحامين، فقد تآمر علينا المحامي مع هذا الرجل وكان دائما يقول لنا لا فائدة من القضية وهو من أقنعنا ببيعها رغم علمه بالمكيدة التي تحاك ضدنا"، تقول تهاني.

وتُبين تهاني أن لـ (س) أرضًا مجاورة للأرض التي اشتراها منها وكان يهدف بذلك إلى توسعة رقعة أرضه ليبني عليها بيته. "لقد بنى هذا الرجل بيته على هذه الأرض وتزوج وأنجب وزرع أشجار زيتون كثيرة وتوفي منذ عامين. والقطعة اليوم يقدر ثمنها بمائة ألف دينار"، حسب قول تهاني.

أما الشاب زيد الأزهري من نابلس، فيروي أن أحد أقربائه كان على خلافٍ مع أشخاص يريدون شراء أرضٍ منهم. وكان أصحاب الأرض (الورثة) ينتظرون البت فيها من خلال محكمة إزالة شيوع.

يقول الأزهري: "عينت تلك العائلة محاميًا ليضغط على أقربائي للتنازل عن الأرض وبيعها، ولم يتمكن من ذلك. لذلك، طلب المحامي من موكليه رفع شكوى شتم وتحقير ضدي في سنة 2014 وذلك حتى يزج بي بالسجن وتكون ورقة ضغط على أقربائي حتى يتنازلوا عن قطعة الأرض. وفي أول جلسة محكمة طلب القاضي من السيدة التي اشتكت عليَّ أن تخبره بما حدث فقالت إنني طلبت منها الخروج من الأرض فقط. هنا وقف المحامي معترضًا وكذّب السيدة المشتكية مع أنه محاميها وطلب إحضار شهود".

منذ أربع سنين يذهب زيد إلى المحكمة مرة كل شهرين ليسمع أقوال الشهود، وقد وضع المحامي ابن عمه كشاهد، وفي كل مرة يطلب القاضي من الشرطة إحضار الشاهد لكن المحامي يؤجل والقاضي لا يعارضه.

ويذكر الأزهري أنه يوم رفع الشكوى، طلب المحامي من شخصٍ مقربٍ له يعمل في النيابة العامة أن يصدر أمر اعتقالٍ وإحضارٍ فوريٍ بحق زيد، "مع أنها شكوى عادية، ومن الممكن أن تُوجَّه شكوى من هذا القبيل ضد أي شخص" حسب قول زيد.

وفي مدينة جنين، توجهت سارة صلاح إلى محاميةٍ لرفع قضية خُلْع ضد زوجها، وبعد إتمام الخلع، فوجئت بزواج المحامية من طليقها. رفضت سارة الكشف عن تفاصيل القصة، واكتفت بالقول إنها لم تتوقع هذا التصرف من المحامية التي اعتبرتها صديقة لها.

وفي حادثة طريفة في نابلس، كان لدى أحد المحامين ملف سماع شهادة في المحكمة، وبناء على ذلك اصطحب الشاهد إلى المحكمة ليشهد. وعند خروجهما من المحكمة أُلقي القبض على الشاهد، بعدما تبين أن هناك أمر حبس صادرًا بحقّه.

هذه القصص وغيرها يتداولها مواطنون يوميًا خلال تعاملهم مع المحامين والجهاز القضائي. وقد تسببت بصورة نمطية أحيانًا تصف المحامي بأنه شخص يجب الحذر منه وعدم منحه الثقة المطلقة.

يُبين عضو الهيئة العامة لنقابة المحامين عبد المنعم دويكات، أن قانون نقابة المحامين الفلسطينيين الصادر عام 1999، والأنظمة الصادرة عنه واللوائح التنظيمية، ساهمت كثيرًا في حفظ حقوق الخصوم وتسهيل إجراءات التقاضي وإعطاء المحامي مكانته التي تليق به، وعملت على تشكيل لجانٍ لاستقبال الشكاوى، ولجان تأديبية لكل محام أساء لمهنة المحاماة والمحامين.

نقابة المحامين: هناك من يخلقون الإشاعات ويُصدرون أحكامًا عامة على المحامين دون اللجوء إلى النقابة لإنصافهم

ويعزو دويكات الصورة السلبية عن المحامي لدى بعض قطاعات المجتمع إلى "ضعف الوعي القانوني داخل المجتمع، والنقص في معرفة مكانة المحامي". ويقول إن كثيرين يقصدون خلق الإشاعات وتضخيم الأمور والتركيز على أخطاء الأفراد، "للأسف الشديد إن أخطأ محام مع موكله فإن المجتمع يعتبر هذا الخطأ من جميع المحامين، ويكيل الاتهامات بشكل عام دون أن يخصص ذلك لفرد بعينه. كما أن المجتمع يُصدِرُ أحكامًا عامة على المحامين دون اللجوء إلى لجنة الشكاوى في نقابة المحامين لإنصافهم من المحامي الفرد إن كان مخطئًا" وفق قوله.

اقرأ/ي أيضًا: هل تنصت الأمن على مكالمات أعضاء نقابة المحامين؟

ويرى دويكات في حديث مع الترا فلسطين أن مهنة المحاماة "من أشرف وأنبل المهن لما لها من رسالة واضحة وجلية في الدفاع عن حقوق المواطنين، إذ انتسب لها كبار الشخصيات من الرؤساء والشخصيات البارزة المؤثرة في الوطن".

ولمعالجة هذه النظرة السلبية من بعض المواطنين نحو مهنة المحاماة والمحامين، يرى دويكات أنّ من الواجب "تطوير العلاقة بين المواطنين والمحامين لخدمة المهنة"، مضيفًا، "على المحامي أن يفرض نفسه على أرض الواقع بأعماله التي تنعكس على الوطن والواقع الاجتماعي، مثل الأعمال التطوعية التي تكون في صلب المهنة كمساعدة المظلومين والفقراء وغير القادرين على تسهيل مهماتهم من خلال الإجابة على استشاراتهم، وكتابة اللوائح لهم والترافع عنهم أمام كافة المحاكم، وإقامة ورشات ومحاضرات لنشر الوعي القانوني".

أما المحامي عمرو سلعوس، عضو الهيئة العامة لنقابة المحامين، فيرى أن السبب في هذه النظرة يرجع إلى "طريقة فهم الناس للحق والباطل" ووجود صورة نمطية عن المحامي بأنه يقلب الحق إلى باطل؛ مما يشوه مفاهيم العدالة. ويتابع، "أفعال بعض المحامين تثير سخط الناس. فالمحامي ليس لديه مشكلة بالدفاع عن موكله حتى لو كانت لديه قناعة بأنه ظالم، ولكن ذلك يتعلق بسبب نشأة مهنة المحاماة تاريخيًا، التي نشأت في اليونان حينما بادر عدد من الأرستقراطيين للدفاع عن المتهمين في وجه السادة بدون مقابل. فالمحامي يدافع عن موكله ويبحث في الإجراءات والحيثيات لمحاولة تبرئته".

ويعتقد سلعوس أن تغيير هذه النظرة بحاجة لتغييرات جذرية في منظومة التعليم، وذلك من خلال تعريف طلبة المدارس بالمحامي ودوره في المجتمع.

ويشير سلعوس في حديثه مع الترا فلسطين إلى دائرة الخدمة المجتمعية في النقابة، وهي دائرة فاعلة منذ سنوات، وتقدم خدمة الترافع من قبل محامين أكفاء مجانًا للناس المحتاجين. ويقترح تنظيم زيارات من قبل نقابة المحامين إلى المدارس والجامعات، إضافة لإنشاء تجمع "المحامي الصغير" بالتعاون بين نقابة المحامين ووزارة التربية والتعليم، وذلك لإشراك طلبة المدارس بأنشطة تحاكي عمل المحامين، مثل المحاكم الصورية والأنشطة المجتمعية للمحامين كالتعريف بالقضايا العامة والدفاع عن حقوق الطفل والأسرى.


اقرأ/ي أيضًا:

"اشتباك" بين التنفيذية والقضائية يهز استقلال القضاء

كيف تفجر النزاع على رأس السلطة القضائية؟

وثائق | هل نفذ الأمن إعدامات ميدانية في نابلس؟