25-يوليو-2019

ماتت نائلة عطية، عن بيتين جميلين في مدينتين ساحرتين رام الله وحيفا، وطفل متوحد واحد هو كرمل، وآلاف المعتقلين الفلسطينين، وعشرات القضاة العسكريين الصهاينة المقهورين، وعن آلاف الدونمات المسترجعة من المحتلين في قريتي المدية والنبي صمويل، والغور وغيرها، وعن مئات الأراضي الزراعية التي عادت لأهلها بعد محاولات تجريفها في حمى الانتفاضة الثانية في غزة، وعن أبٍ صياد سمك راحل وأم مناضلة راحلة.

"بلدوزر الحق الفلسطيني" سكتت إلى الأبد عن الصوت والحركة، وصار بإمكان قضاة الاحتلال الاسترخاء على مقاعدهم والتنفس بشكل طبيعي

"أوع اتكون اعترفت؟"، كانت نائلة تبادر المعتقل الفلسطيني المناضل حين تراه لأول مرة بعد التحقيق، "بلدوزر الحق الفلسطيني" كما سماها أحد أصدقائها، سكتت إلى الأبد عن الصوت والحركة، وصار بإمكان قضاة الاحتلال الاسترخاء على مقاعدهم والتنفس بشكل طبيعي. في رام الله يوم إعلان وفاتها رأيت رجالاً يوقفون بعضهم البعض في الشارع قرب مسرح القصبة، ويهمسون: هل تُصدق؟ لقد ماتت نائلة ثم يبدؤون في تذكر مواقفها معهم:

"اشتبكت بالأيدي مع رجل أمن حين رفض أن تعطيني نائلة سيجارة، صفعتني على وجهي حين أسريت لها أني اعترفت  بأجزاء من التهمة: أنت مجنون؟ كيف تعترف؟ لوحت لي من بعيد بينما جندي يجرني، وصاحت: موعدنا مع الحرية يا بطل، أحضرت لي بيجامة وصابونًا وقبلت رأسي وبكت، عانقتني وقالت، أولادك في عيوني وزوجتك أختي، إنت المهم كن بخير.

أحضرت لي صورًا لطفلتي التي ولدت أثناء اعتقالي واقترحت أن أُسميها حرية، أهدتني رواية الدون الهادىء لشلوخوف. وقالت لي ستحبها كثيرًا".

اقرأ/ي أيضًا: لنقل لهن مرحبًا أو شكرًا

يتفرق الرجال المناضلون السابقون الذين ينتمون لفصائل مختلفة، بينما أظل أنا المتلصص الحزين على أصواتهم واقفًا لا أعرف لمن أقول ذكرياتي مع نائلة. رأيت تلميذ مدرسةٍ يقف على الرصيف ينتظر أحدًا ما، اقتربت منه وقلت له: كانت نائلة يا صغيري ساحرة طيبة تتجول في الشوارع حافية، وتوزع على الأطفال الفقراء برتقالاً وشوكولاته، وتحكي لهم قصصًا عن فلسطين والحب، وكان لها طفلٌ جميلٌ مثلك اسمه كرمل، كان متوحدًا لا يتقن التحديق في الأشياء، لكنه كان لطيفًا جدًا ويحب البطاطا المقلية والبحر، هرب الطفل من أمامي.

- ماما ماما رأيت رجلاً مجنونًا في الشارع، حكى لي عن الساحرات والأطفال والحب والبرتقال.

لم أزر نائلة يوما في بيتها برام الله رفقة الأصحاب إلا وتكون ذائبة في فضاءٍ من الانفعالات والأحاديث الحزينة، كلها عن المعتقلين الذين تُرِكوا في مهب كارثة أوسلو، والشهداء الذين ماتوا غدرًا ودون سبب، عابرين في الشارع أو نائمين في البيت، الذين رفع أهاليهم دعواتٍ قضائيةٍ ضد الاحتلال لحبس القتلة وفضح المحتلين.

آخر زياراتي لها قبل شهرين، كانت "أم كرمل" تجلس وسط جبلٍ هائلٍ من الأوراق والوثائق في بيتها في قرية بيت صفافا - القدس، كعادتها كانت تخرج ورقة من ظرف بلاستيكي، تقرأ منها سريعًا وتصيح: "لا لا مش هاي، لحظة بس هلا بطولها"، كانت تبحث عن ورقةٍ وسط مئات الأوراق مترجمة من العبري للعربي وموقعة من طبيبٍ شرعي، كانت الورقة تثبت مع الصور من أين دخلت الرصاصات إلى جسد مهندس الاتصالات الشاب شادي عرفة الذي استشهد عام 2015 أثناء مروره بسيارة شركة الاتصالات التي يقودها  تزامنًا مع عملية فدائية نفذها مقاومٌ فلسطينيٌ ضد جنود الاحتلال قرب مفرق  نحالين. مات المهندس شهيدًا برصاص المحتلين الذين ذكروا كاذبين في إفاداتهم أن المهندس كان شريكًا للفدائي محمد الحروب، الذي تم اعتقاله بعد أن قتل مستوطنين اثنين وجرح خمسة.

ماتت نائلة قبل أن تفضح وتكشف القتلة، ستلتقي شادي هناك في المكان الهادىء وتعتذر له لأن السرطان لم يمهلها لإكمال القضية

ماتت نائلة قبل أن تفضح وتكشف القتلة، ستلتقي شادي هناك في المكان الهادىء وتعتذر له لأن السرطان لم يمهلها لإكمال القضية. سيسامحها شادي قبل أن يسألها بلهفةٍ عن ابنه وزوجته، ستجيبه أنهما بخير، وتبدأ بتفحص أشيائها لتخرج له صورهما، لكنها ستتذكر أنها ميتة، وأن لا شيء معها في هذا العالم سوى الذكريات والأسف.

-وين ماما يا عمو؟.

سألني  كرمل عشرات المرات بشكل متعاقب ودون توقف عبر كاميرا الماسنجر، وكان  يسبح وسط جبلٍ هائلٍ من الأوراق والوثائق.

- نائمةٌ في حيفا يا حبييي.


اقرأ/ي أيضًا: 

أسيرات الثورة: لم يحفظوا كرامتنا في الكِبر

لسن بنات عم أحد

نساء يعرقلن البلاد