20-يناير-2023
محمد اشتية ومحمود عباس

أكد مختصان في القانون وأنظمة مكافحة الفساد في أحاديث منفصلة لـ الترا فلسطين، أن التجارب السابقة الفاشلة مع الصناديق المالية في ظل السلطة الفلسطينية، تجعل الجمهور الفلسطيني غير متفائل تجاه مشروع جمع تبرعات من خلال فواتير الاتصالات لصالح مدينة القدس.

عزمي الشعيبي: الفلسطينيون شعبٌ معطاء، وهذا ثبت في دعم تمويل إنشاء مستشفى خالد الحسن، ودعم صندوق وقفة عز خلال جائحة كورونا، ولكن النتائج جعلت الفلسطينيين يشعرون بانعدام الثقة في إدارة هذا النوع من المنح والمساعدات التي يتم جمعها

وكان رئيس الوزراء محمد اشتية أعلن، في جلسة مجلس الوزراء رقم 190، أن الرئيس محمود عباس أصدر قرارًا بقانون لتنظيم جمع التبرعات من مشتركي خدمات الاتصال بفلسطين، انسجامًا مع قرارات القمم العربية والمؤتمر الاقتصادي الإسلامي بحيث تتم المساهمة بشيقل واحد، تجبى على الفاتورة الشهرية، وسيتم تحويل هذه المساهمة، مضافًا إليها التبرعات العربية والإسلامية إلى حساب خاص لدى البنك الاسلامي في جدة، ليتم تخصيصها للصرف على المشاريع التنموية في القدس.

وأضاف اشتية، أن صرف هذه الأموال سيتم "وفقًا للأولويات المعتمدة بقرار من مجلس الوزراء، بهدف تعزيز الصمود، وتحقيق الدعم، والإسناد لأبناء شعبنا في القدس، في ظل ما تتعرض له من هجمة احتلالية استيطانية تهويدية، والتراجع الحاد في المساعدات الدولية".

مستشار الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة أمان عزمي الشعيبي، قال إن ما دفع الرئيس لهذا القرار بقانون هو إحراج الدول العربية والإسلامية، أننا كفلسطينيين سنكون مبادرين لجمع هذه المبالغ.

ورأى عزمي الشعيبي، أن مبادرة الجامعة العربية في البحث عن وسائل لدعم الشعب الفلسطيني ماليًا لا تعكس حقيقة إرادة جدية لدى النظام العربي في  تقديم دعم حقيقي للشعب الفلسطيني، "فدول الخليج مثلاً ليست بحاجة لجمع تبرعات عبر فاتورة الهاتف لمساعدة الشعب الفلسطيني" حسب قوله.

وأضاف، أن محاولة الرئيس لإحراج هذه الدول أننا كفلسطينيين سنكون مبادرين لجمع هذه التبرعات، لم تكن بحاجة إلى تشريعٍ أو قانونٍ لو أن الفلسطينيين لديهم الثقة في صندوقٍ لدعم القدس وقضايا وطنية محددة، "فالفلسطينيون شعبٌ معطاء، وهذا ثبت في دعم تمويل إنشاء مستشفى خالد الحسن، ودعم صندوق وقفة عز خلال جائحة كورونا، ولكن النتائج جعلت الفلسطينيين يشعرون بانعدام الثقة في إدارة هذا النوع من المنح والمساعدات التي يتم جمعها".

ورأى عزمي الشعيبي، أنه كان بالإمكان ترك الأمر لمبادرة وطنية مجتمعية تقوم بهذا الدور وجمع التبرعات، ويمكن على الأقل أن تخفف من الحالة التي يمر بها النظام الفلسطيني من فقدان الثقة به في إدارته المالية لهذه التبرعات.

رأى عزمي الشعيبي، أنه كان بالإمكان ترك الأمر لمبادرة وطنية مجتمعية تقوم بهذا الدور وجمع التبرعات، ويمكن على الأقل أن تخفف من الحالة التي يمر بها النظام الفلسطيني من فقدان الثقة به في إدارته المالية لهذه التبرعات

وبحسب الشعيبي، فإن انعدام الثقة ظهر أيضًا في محاولة سن قانون الضمان الاجتماعي التي باءت بالفشل بعد احتجاجات شعبية، هذا عدا عن أزمة أخرى يمر بها صندوق التقاعد، الذي يفتقر إلى الشفافية في إدارته، بدليل أنه يدفع 80% للمتقاعدين مع أنه يجب أن يدفع لهم رواتب بنسبة 100% ولا يوجد له علاقة بأزمة السلطة. بالتالي، فإن تجربة الشعب الفلسطيني مع النظام في إدارة الصناديق المالية حتى الآن "غير مشجعة" وفق عزمي الشعيبي.

وحول قانونية هذا القرار بقانون، أوضح الشعيبي أنه "يجب فصل واقعنا الدستوري عن موضوع مساهمة الناس في دعم القدس"، مؤكدًا أنه يُعارض استمرار الرئيس بلعب دور المجلس التشريعي وإصدار القوانين من حيث المبدأ، لأن ذلك يخالف القانون الأساسي، الذي ينص على وجوب حالة الضرورة التي لا تحتمل التأجيل عند اللجوء إلى إصدار قرار بقانون.

وتابع: "المجتمع الفلسطيني يدرك منذ فترة أنه صار هناك تجاوز من قبل الرئيس في موضوع إصدار تشريعات والتعدي على مهام السلطة التشريعية ودورها، وهو ما يخل بشكل قوي في الميزان القائم على الفصل بين السلطات الثلاث".

من جانبه، الكاتب المتخصص في حقوق الإنسان والشأن القضائي ماجد العاروري، يرى أن فرض الرسوم يجب أن يكون منوطًا بقانون، وما صدر بخصوص القدس هو قرار بقانون، مضيفًا أن الإشكالية الأهم هي المبررات القانونية الداعية لمثل هذا القرار، وإن كان هذا القرار يعبر عن قناعة لدى الناس.

وقال العاروري، إنه يجب فحص الآلية التي ستصرف بها الأموال التي تجبى من المواطنين، فهذه أموال جبيت لأغراض محددة ووفق قرار بقانون، ويجب أن تصرف للغايات التي جبيت من أجلها. وتساءل: "كيف ستصرف الأموال؟ وما هي الضمانة لصرف هذه الأموال في الاتجاه الصحيح؟ خاصة أن هناك أزمة ثقة فيما يتعلق بصرف الأموال سواءً تلك التي تأتي برسوم أو التي تأتي بتبرع في مكانها الصحيح، وكان لدينا أكثر من تجربة".

شدد ماجد العاروري أن هذه الأموال التي ستقتطع يجب أن تصرف ضمن آليات قابلة للمساءلة والمحاسبة، فهناك نقص شديد جدًا في هذا الأمر، والنقاش الآن ليس قانونيًا بقدر ما أنه يجب أن يتعمق في الأسباب والمبررات والدوافع وآلية الصرف

وأشار ماجد العاروري إلى تجارب سابقة لم تنجح فيها السلطة في اكتساب ثقة الناس، حيث تم جباية أموال أو ضرائب على فواتير الكهرباء لصالح تطوير البنية التحتية في الريف، لكن لم يُقدم أي تقارير أو إعلانات واضحة تشير كيف صُرفت هذه الأموال. وأشار أيضًا إلى تجربة مستشفى خالد الحسن للسرطان، الذي لم يتم إنشاؤه بعد تبرعات من الجمهور واقتطاعات من الموظفين الحكوميين.

ويتساءل ماجد العاروري: "هل سينشأ صندوق مستقل لإعمار القدس؟ وهل سيعلن عن المبالغ التي سيتم جمعها؟ وهل ستسلم لجهة محددة تتولى مسألة الصرف؟".

وشدد أن هذه الأموال التي ستقتطع يجب أن تصرف ضمن آليات قابلة للمساءلة والمحاسبة، فهناك نقص شديد جدًا في هذا الأمر، والنقاش الآن ليس قانونيًا بقدر ما أنه يجب أن يتعمق في الأسباب والمبررات والدوافع وآلية الصرف، وقدرة الجمهور على الرقابة في ضوء التجارب السابقة غير المطمئنة.