أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.57
سعر الصرف 3.83
الدينار الأردني
سعر الشراء 5.27
سعر الصرف 5.42
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 4.21
سعر الصرف 4.24
سائد والجبل!

سائد والجبل!

حين تنقطع بي الطرقات، أبحث عنه، لعلّه يقرضني طريقًا صغيرًا، حين يختنق حلقي بالغصّات، أبحث عنه لعلّه يهديني قبضة من هواء. سميّته "مدير مدرسة الأمل"، أصادفه كثيرًا في الطريق، لم نرتّب يومًا للقاء. صديق الصدف الرائعة هو، نتحدّث  قليلًا، وأحيانًا طويلًا، يقول لي أشياء كثيرة عن مشروعه التنويري القادم، وعن الصخور التي في الطريق، وعن أفاع تتدلى من الشجر، وعن الفراشات والشجر والزهور والله الذي يحب الخير والمجتهدين. تتكرر في عباراته كلمة (شغف)، الشغف الضائع من حياتنا، الشغف الذي حين يختفي من حياتنا يصبح للحياة طعم مرض وصحراء.

      هذا سياق حياتيّ فلسطيني يشبه ثورة أو هزة في بدن وروح بلاد كسولة متكرّشة، تعشق النوم في الصباح، والإشاعات في المساء    

يحبُّ المشي ولا يؤمن بالسيارات، في يده دائمًا أوراق متناثرة، لم أسمعه مرّة يلهث، على مهل ومدفوعًا بقوة أمل وثقة يواصل سائد كرزون منذ سنوات بناء حلمه المجنون.

 يا لها من مغامرة ممتعة أن تفعل شيئًا رائعًا في بلادك، أن تصبح ملهمًا لآخرين، أن تصعد جبلًا وتعوي تحت القمر وتصنع من أصوات الشجر بيتًا، أن تغيّر مسار طريق، ولكن انتبه أيّها المغامرالمستمتع حتى لا تتفاجأ وتمضي نصف وقتك في سؤال مؤلم: طب ليش بعملوا هيك؟ انظُر العيون الفارغة المعتمة المتكدّسة على الطرقات، عيون لها مهنة واحدة: أن تكره الضوء.

أتذكر "سائد" ذات ظهيرة وهو يمرّ عن مقهى شعبي أجلس فيه كل صباح، دعوته إلى قهوة فأقبل، كانت ملامح وجهه منقبضة جدًا هذه المرّة، ولا أوراق في يديه، كدت أقول له: يا مدرسة (الأمل)، ما الذي يحدث؟ وكدت أسمعه وهو يقول: طب هم ليش بعملوا هيك؟ حكى لي سائد وللأصدقاء حولنا عن أعداء مفاجئين ظهروا يسخرون ويشككون ويضعون العقبات في طريقه، فحدّثته طويلًا عن أعداء طريقي وأفاعيه، واتفقنا في نهاية اللقاء الطويل على أنّ النجاح يترافق بالضرورة في بلادنا مع وجود أعداء، فكلّما صعدنا درجة نجاح، صعد معها عدو ما.

حبّ كبير للصديق سائد كرزون الذي صارت أوراقه المتناثرة في يده وثائق وشهادات، حبّ لمشروعه التغييري المهم (الجبل)، حب مملوء بإعجاب وفخر بطاقة شبابية بدأت تفهم أن التغيير يبدأ من الداخل، من الروح، من القلب، لا انتصار ولا نجاح اقتصادي أو تقدم ثقافي ولا تحرر لإنسان مهزوم ومشوّش ومكبوت وخائف وضائع.

انتصر شغف سائد، ونضج، صار رجلًا قويًا تزوّج من روح الجبل، فأنجب 25 شابًا وشابة، حضروا من مختلف مناطق فلسطين، سمّاهم سائد "الرياديين" و"الرياديات"، خمسة أشهر (بدأت قبل أسبوعين في الجبل في أحضان الهواء الصافي والهدوء) من البرامج والتدريبات والمحاضرات واللقاءات والفعاليات الثقافية والفنية والترفيهية والنفسية. يؤمن سائد وهنا قوّة مشروعه وحضاريّته، بأن شخصًا يريد أن يصبح رجل أعمال ناجحًا ويساهم في خدمة اقتصاده الوطني، لن يستطيع النجاح قبل أن ينظّف روحه وجسمه من غبار الأفكار القديمة والتعصّب والاتباع الأعمى والكسل الذهني والتوتر والانغماس في صراعات عائلية وشخصية ومهنية تافهة، ومشاعر الحسد والكراهية والخوف من التغيير. 

     لا نجاح لأحد في عالمنا في أي مجال ما لم يكن يحسن التنفّس      

لا نجاح لأحد في عالمنا في أي مجال ما لم يكن يحسن التنفّس، هذا كلام ربما يبدو غريبًا وشعريًا، لكنّه علمي جدًا، طرق التنفس الصحيحة ليس فقط تأخذنا إلى الراحة  الداخلية، والانسجام مع الذات، إنها إحدى أهم الوسائل لرؤية الأشياء بشكل أدق، واتخاذ القرارات الصائبة، وامتلاك رؤية للحياة والعمل، والاستمتاع بالعمل، والتعامل  الحضاري والانساني مع زملاء المهنة، هكذا يتدرّب "رياديو الجبل" على جسّ نبض الأشياء بالقلب، وعلى التنفس الصحيح، وسط موج عارم من الهواء الصباحي النقي.

لا نجاح لأي إنسان في أيّ مجال إن لم يكن يعرف ذاته، ذاته الصريحة دون أقنعة وتكلّف وكذب، رياديو ورياديات الجبل يتعلمون كيف يكونوا حقيقيين صادقين، فعلهم يتطابق مع قولهم، جاهزون لرؤية الحقيقة دون تزييف أو مجاملات، الريادي الذي يفكر في مشروع اقتصادي أو ثقافي لا يعرف المجاملة ويرفض تسطيح الأمور، وهو خبير في الربط بين الظواهر؛ حنجرته حرّة، جسده ذكي، هكذا يتدرب "رياديو الجبل" عبر دروس وتمارين الدراما والمسرح على مواجهة الحياة والنفس بكامل عريهما وحقائقهما.

عشرات البرامج التنويرية والخبراء والقادة والملهمين والمغامرين في مجالات عدة، ينتظر الـ25 رياديًا وريادية، خلال الأشهر الخمسة القادمة لاقتحام عديد من المساحات.

هذا سياق حياتيّ فلسطيني جيّد يصنعه "مدير مدرسة الأمل" في فلسطين سائد كرزون، سياق يشبه ثورة أو هزة في بدن وروح بلاد كسولة متكرّشة، تعشق النوم في الصباح، والإشاعات في المساء. وتخاف من هواء الجبال لأنه بعيد عن المؤسسات والمصالح والكاميرا، بلاد يتكالب عليها هذه الأيام لصوص وأعداء قوميون، بلاد لن تنتصر على أعدائها وعلى لصوصها ما لم تحب الجبال وتتقن فنّ التنفّس.  


اقرأ/ي أيضًا: 

مطر وسياسة وأغنيات

نساء غزة يطرّزن ذاكراتهن

كيف رأى المستشرقون فلسطين؟

الحب كموقفٍ سياسيّ