30-نوفمبر-2018

صورة من غزة (getty)

"لو كنت مكانك" هذه جملة افتراضية لئيمة، ولا يجوز البدء بها عند تقديم النصيحة أو المواساة. أنت لا تساعد مُحدّثك، أنت تشلُّه تمامًا وتحرر نفسك. العالم أحجية، لغز أو لعبة "بزل" لا قطعة منه يمكنها أن تكون مكان أخرى، فما فائدة أن تتهامس القِطع فيما بينها بذلك إذًا؟ 

   هل دور غزة هو أن تموت، هل دور الضفة أن تحزن على موتها، تهتف له، تكتب عنه، وتفتخر به؟!  

بالأمس القريب كانت أخبار غزة تشغل مواقع التواصل الاجتماعي، أما أنا فكانت (أروى) تُشغل قلبي، صوت ضحكتها حين رأت مطر الصيف في أمريكا، دهشة عينيها متنقلة من شباك إلى شباك وكأنّ لكل شباك طريقته الخاصة في عرض المطر، لا تريد أروى أن تفوِّتها. حديثها العاديّ عن أشياء غير عادية، ابتسامتها وهي تروي تفاصيل صعبة. أي قطعة "بزل"حزينة أنت يا غزة؟

كانت زيارة "أروى" لأمريكا في ذلك الصيف بهدف إجراء عملية تجميلية لتركيب عين زجاجيّة بالتنسيق مع جمعية خيرية، هي أول مرّة أتواصل فيها وجهًا لوجه مع شخص يعيش في غزة، الطفلة كانت أكبر من عمرها بحلو الأمر ومرّه، ربما لا شيء مما أقوله الآن يبدو له معنى حقيقي، ولكنني أشعر به وهو يسري في عقلي مثل محلول طبي ثقيل كلّما فكرت بها. كان الحديث مع الطفلة بمثابة معاينة موقع جريمة القاتل فيها أنت والمقتول أنت أيضًا. تعلّمت من مرور أروى القصير في حياتي أننا لسنا شعبًا واحدًا، بل إنه من الظلم أن ندّعي ذلك.

نحن قطعة بازل واحدة في هذه اللعبة التي نسميها العالم، شعبٌ واحد لدينا كل شيء مشترك التاريخ والجغرافيا - ليس تمامًا- ووجع القضية. هكذا كنت أظن، ولكن لقاء أروى كلّفني الكثير من ظنوني المريحة وأفكاري العامة، أعدت تدوير آرائي من خلال الطفلة، غضبت من سذاجتي وقررت أننا لسنا شعب واحدًا مهمّا امتلكنا من التاريخ والجغرافيا وجوازات السفر ومهما ألحّت علينا صور موتنا بأنّها متشابهة. دعك مما ينقله لك هاتفك الذكيّ عند كل حرب على غزة، اجلس مع شخصٍ قادمٍ من هناك، ستتعرف على الفجوة بنفسك، سيقع قلبك في حفرٍ كثيرة للحياة والاحتلال والفقر لم تكن تعرف شكل وجودها هناك.

حسناً، ستدرك أنّ التباين بين ما تعيشه أنت هنا ويعيشه هو هناك كفيلٌ بخلق شعبين بينهما الكثير من الفجوات خلال السنوات القليلة القادمة. ستعرف أيضًا أنّ المسافة في اللغة موجودة والمسافة في التجارب موجودة وأن المعاناة مختلفة بشكل لا يُغتفر ولا يمكن تجاوزه، مع الوقت ماذا يمكن لكلمة وطن أن تفعل أمام كلّ هذه الفجوات؟ ترعبني فكرة الانفصال التي نعيشها.. أتمنى لو أتوقّف عن التحديق بكل مشهد صغير قادم من غزة والخوف من أن لا يكون له موازي في الضفة. أكره استخدام مفردة الضفة.. ها أنا استخدمها!

لو كانت الحياة هكذا؛ أعني مكانًا واحدًا لكل شخصٍ لا يمكن لأحد أن ينوب عنه. لو كان لكلٍ دوره الذي لا يمكن استبداله أو التلاعب به. قطعة بزل لا تنوب عنها أخرى، فهل دور غزة هو أن تموت، هل دور الضفة أن تحزن على موتها، تهتف له، تكتب عنه، تجمع له التبرعات، وتفتخر به؟

تمنيّت كثيرًا لو كنت بالشجاعة الكافية لأغيّر شكل قطعة البازل الخاصة بي في هذه اللعبة، أن أتوقف عن كوني قطعة وظيفتها أن تراقب الأحداث بقلق على الآخرين، إلى قطعة تكون هي الآخرين لبعض الوقت على الأقل، ولكن حتى ممارسة لعبة "لو كنت مكانك" ليست إلا شكلًا أنانيًا لأتطهّر من الذنب لأخفف من حرجي الشخصي من دوري في الحياة. أمارس اللعبة لأقول لنفسي لا بأس، ها أنت حزينة وخائفة، أمارس اللعبة لأحسّن سير الأمور في عقلي، لأخفف ارتباكي وأداري عجزي الذي لا مبرر له سوى أنني أريد حياتي التي لا استبدلها مع أي مواطن بغزة مهما قلت له: لو كنت مكانك.


اقرأ/ي أيضًا:

التطبيع العربي.. وقائع فشل فلسطيني

ماذا تعني الهزيمة في العقيدة الصهيونية؟

المقاومة تُخضِعُ الدّولة