أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.29
سعر الصرف 3.29
الدينار الأردني
سعر الشراء 4.63
سعر الصرف 4.65
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 3.91
سعر الصرف 3.91
فرح نابلسي بين

فرح نابلسي بين "الهدية" و"الحاضر".. حكاية الفلسطيني المتعب

تتلاعب المخرجة فرح نابلسي في فيلمها الذي يحمل اسم "The Present" بالاسم الذي يحمل معنيين مختلفين، المعنى الأول هو "الهدية" في إشارة إلى ما يريد فعله "يوسف" (بطل الفيلم بدور صالح بكري) في يوم عادي من حياة أسرة فلسطينية حيث يريد شراء ثلاجة لزوجته، والثاني "الحاضر" في إشارة إلى واقع الحياة التي يعيشها الفلسطيني حاليًا، حياة مليئة بالتعب وقد استبد بها المرض، فيوسف يعاني من آلام حادة في الظهر.

 تكثف المخرجة نابلسي مجموعة كبيرة من الرموز والموضوعات والمقولات الفلسفية التي تلخص طرق السيطرة ووسائل فرض السيادة على الفلسطيني

وفي (24 دقيقة/2020) مدة الفيلم الروائي القصير، تكثف المخرجة نابلسي مجموعة كبيرة من الرموز والموضوعات والمقولات الفلسفية الكبيرة التي تلخص طرق السيطرة ووسائل فرض السيادة على الفلسطيني ببساطة شديدة، وتتنقل من توتر إلى انفراجه، فتوتر، فانفراجة، وصولاً إلى ذروة الفيلم التي تنقل للعالم حكاية واقع فلسطين، بعد سنوات من فشل مشروع السلام، وما ترتب على ذلك من تأبيد السيطرة الإسرائيلية على حياة الفلسطيني.

اقرأ/ي أيضًا: 7 أفلام فلسطينية وصلت العالمية

ترشح الفيلم إلى القائمة القصيرة لجائزة أوسكار أفضل فيلم قصير وإتاحة عرضه على شبكة نتفلكس.

الحياة.. الحاجز

تؤسس نابلسي فيلمها بمشهد يوسف نائمًا بجانب الجدار، وهو حال آلاف الفلسطينيين الذين يعملون داخل الخط الأخضر، حيث يعانون من ويلات الحواجز الإسرائيلية التي يتنقل من خلالها الفلسطينيين لكسب قوتهم اليومي. ترصد المذل والمؤلم في هذه الحياة الصعبة؛ حيث الزحام والتحكم والسيطرة والأجساد المتلاصقة والخناق في كادرات قريبة وقريبة جدًا ليوسف الذي يعاني من أوجاع حادة في الظهر، وعندما يصل البيت بعد أعمال متعبة وشاقة وأوجاع متكررة يكون عليه الوفاء بوعده بجلب هدية لزوجته ثلاجة بدلاً من المعطلة.

يخرج يوسف برفقة ابنته لشراء الهدية، فيواجهان الصعوبات على الحاجز الذي يفصل بلدته عن بقية المناطق الفلسطينية، ويمارس الجنود ساديتهم عليه، حيث يضطر لمسايرة مزاجهم وسخريتهم، فهم  يريدون معرفة أسباب خروجه من البلدة، وعندما يخبرهم أنه ذاهب للتسوق؛ يكون عليه أن يوضح لهم الأغراض التي يريد شراءها. هنا يبدأ بالعد غاضبًا من "ورق الحمام، حليب، ليمون...الخ" فتتدخل ابنته طالبة منه أن يهدأ قليلاً. وبعد حجز وانتظار طويلين يفرج عنه، لكن ابنته الصغيرة وأمام طول فترة الانتظار تكون قد "بالت" على نفسها.

 ترصد المذل والمؤلم في هذه الحياة الصعبة؛ حيث الزحام والتحكم والسيطرة والأجساد المتلاصقة والخناق

في طريق العودة يُفاجَأ الأب وابنته بحاجز عسكري طيار، حيث يعترض طريق السيارة التي تنقل الثلاجة، ولا يكون أمامهما إلا استخدام عربة يد لنقل الثلاجة من خلال الحاجز الطيار، وبعد أن يصل الحاجز الثاني الذي يفصله عن بيته يكون ذات الجنديين بانتظاره ليمارسان مزيدًا من الإذلال، حيث يريدان معرفة لماذا اشتري الثلاجة، وما الذي يوجد بداخلها. بعد تفتيش الأغراض يصل الجنديان لكيس مغلق، فيفتحانه ويكتشفان أنه "بنطال ابنته المبلل"، فيصرخ الجنديان ويطلبانه بالمغادرة، لكن من خلال البوابة الكاشفة للمعادن وليس سواها.

مقاربة فوكو

الفيلم البسيط يقدم حكاية يوم من حياة عائلة فلسطينية، وهو في ذلك يقدم حجم التدخل الإسرائيلي بحياة الفلسطيني، وكيف تسيطر "إسرائيل" من خلال سياستها المختلفة على حياتنا بكل تفاصيلها، وهو بذلك يحيل إلى مفهوم "السياسة الحيوية" (biopolitics) عند ميشيل فوكو، التي تشير إلى السياسة التي تمارسها السلطة (الاحتلال) "على كائنات بيولوجية يعيشون في وسط بيئي معين"، حيث تدير هذه السلطة بسياستها أجساد المواطنين وحياة السكان من خلال مجالات القوة المتمثلة بالسيادة، والانضباط، والأمن من خلال تقنيات "القوة الحيوية".

ويبدو أن الفيلم كان مهمومًا في مقاربة مفهوم "فوكو" وإظهاره على الواقع الفلسطيني، حيث الحواجز ترسم حياة الفلسطيني، فتصميم وهندسة هذه الحواجز ليس بهدف تحقيق الأمن، مثلما هو سلوك الجنود على الحاجز ليس بهدف تحقيق الأمن، بل ظهرت تصرفاتهم مهووسة بفكرة السيطرة وإخضاع الجسد والسيطرة عليه وإذلاله.

يبدو أن الفيلم كان مهمومًا في مقاربة مفهوم "فوكو" وإظهاره على الواقع الفلسطيني

يتجلى ذلك مع وصول يوسف الحاجز ورفض الجنود مروره من الشارع المخصص للسيارات (فهو يحمل ثلاجته على عربة)، وإصرارهم على مروره من خلال بوابة الأفراد حيث يستحيل مروره بالثلاجة من خلالها، وهنا يحدث التوتر أو ذروة الفيلم عندما يبدأ يوسف بالتوسل أولاً ومن ثم بالصراخ، ليبدأ الجنود بتجهيز أسلحتهم لإطلاق الرصاص على جسده المتعب.

اقرأ/ي أيضًا: بإمضاء كرم أبو علي.. فيلم "رمادي أزرق أبيض": أسيرات يتذكرن

"الشارع ليس لك" كما اخبره الجنود، إنه موجود لتذكير الفلسطيني بأنه ممنوع ومحاصر ومسيطر عليه.

أساليب المقاومة اليومية

تنحاز المخرجة إلى مفاهيم وأساليب المقاومة اليومية ودورها في ضعضعة السلطة، حيث تقوم الفتاة الصغيرة بلعب دور البطولة من خلال الإمساك بالعربة التي تحمل الثلاجة وتذهب بها إلى الشارع لتمر وحدها وسط جلبة وتململ الجنود مما يمكن أن يفعلوا معها: يطلقون النار عليها أو يتركونها تمر؟

يحيل الفيلم أيضًا إلى تفسيرات الفيلسوف والمفكر الإيطالي جيورجيو أجامبين لأفكار فوكو، فالسلطة هي من تحدد خصائص البشر، ومميزاتهم، فيما الجسد هو نقطة التقاء السلطة بالحياة، وكي تمارس السلطة "السياسيات الحيوية" وتطبيق "مبدأ الحياة"، تنشئ هالة سياسية تسمى "حالة الاستثناء". وفي الفيلم تمارس سلطات الاحتلال "الحياة على الجسد" وفق رؤيتها المسيسة/الاحتلالية بحق الجسد الفلسطيني الهش والمنتهك، حيث تُجرد الفلسطيني من إنسانيته وحقوقه، وعندها يصبح "حيوانًا عاريًا" (bare animal) على حد وصف "أجامبين". 

يحيل الفيلم أيضًا إلى تفسيرات الفيلسوف والمفكر الإيطالي جيورجيو أجامبين لأفكار فوكو

من أعمق المشاهد دلالة ورمزية مشهد فتح الجنود للكيس الذي يضم بنطال الفتاة الصغيرة المتسخ، حيث يبدأ الجنود بالصراخ، وهي فكرة رمزية تدلل على المستوى العالي من التدخل والتحكم سيجعلكم تصلون لقاذوراتنا أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم بيروت.. صدى قديم جديد للإمبراطورية 

ويبدو "يوسف" الذي يعاني من وجع حاد في الظهر ويعيش على المسكنات؛ تعبيرًا عن حال الفلسطيني بعد سنوات طويلة من الاحتلال. فهو وإن بدا متوسلاً للجنود للمرور عن الحاجز وعليه علامات الإعياء والتعب، إلا أنه قادرٌ على الصراخ والغضب أيضًا.

هذا النوع من الأفلام ذات النبر الخفيض تفضله الأوسكار والجمهور الغربي عمومًا، لا سيما أنه عملٌ لا يبالغ جدًا في نقد "إسرائيل" وسلوكيات الاحتلال وممارساته. ومع ذلك هو عملٌ بسيطٌ لكنه ذكي يحمل الكثير من المقولات الفلسفية التي تحاول أن تقارب الحياة الفلسطينية اليومية مع تنامي وسائل السيطرة والقمع والتحكم.

هذا النوع من الأفلام ذات النبر الخفيض تفضله الأوسكار والجمهور الغربي عمومًا

بقي أن نقول أن الفيلم صور في فلسطين، وحصل على جوائز في مهرجانات كثيرة مثل: "كليرمون فيران" للفيلم القصير، و"بروكلين للأفلام"، و"المهرجان الدولي للأفلام القصيرة" في بالم سبرينج، و"مهرجان كليفلاند للأفلام الدولية" والقائمة ستطول حتمًا.

أما المخرجة فهي ناشطةٌ حقوقيةٌ أيضًا (وهو أمر يشي به الفيلم الذي يشارك صالح بكري البطولة الممثلة مريم الباشا)، وفي رصيدها ثلاثة أفلام قصيرة: "كابوس في غزة"، "اليوم أخذوا ابني"، و"محيطات من الظلم".


اقرأ/ي أيضًا: 

8 أفلام أجنبية تناولت القضية الفلسطينية

:دلالات