أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.70
سعر الصرف 3.74
الدينار الأردني
سعر الشراء 5.22
سعر الصرف 5.27
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 4.22
سعر الصرف 4.26
لحوم نافقة ومريضة تجد طريقها لموائد الغزيين

لحوم نافقة ومريضة تجد طريقها لموائد الغزيين

6657 مشاهدة
صورة توضيحية - (getty)

اتصل بي أحد أصحاب مزارع تربية الماشية وطلب إحضار عربتي الخاصة "تك توك" على وجه السرعة، قال إنه يريد بيع أحد الخراف التي ذبحها في مزرعته "مضطرًا" بعد أن لاحظ عليها علامات المرض الشديد، توجّهنا صوب حديقة الحيوان في منطقة الصفطاوي شمال مدينة غزة بغرض بيع الخروف الذي تقدّمه الحديقة بدورها للحيوانات المفترسة، إلّا أنّها رفضت الحصول عليه خوفًا من تسمم الحيوانات لديها.

انطلقنا صوب منطقة الشيخ رضوان، وطوال الطريق كان الخروف ينزف دمًا بشكل متقطّع، وهناك تخلّص صاحبه منه عبر إلقائه في أحد مكبّات النفايات، وقفلنا راجعين.

ظننت الأمر توقّف هُنا، بيد أن الرجل غيّر رأيه في طريق العودة، واتصل بصاحب أحد المتاجر (نتحفظ على ذكر طبيعة عمل المتجر) وعرض عليه شراء الخروف بمبلغ 300 شيقل فقط، مخبرًا إيّاه بأنه ذبحه بعد مرضه، وعلى الفور وافق الرجل على العرض، وطلب منه زيارته في بيته وليس في متجره الخاص!

اقرأ/ي أيضًا: خفايا تجهيز مخللات بغزة في رمضان

عُدنا إلى مكبّ النفايات وهناك أعاد الرجل وضع خروفه النافق - لم يُسلخ جلده بعد - في صندوق "التك توك" وانطلقنا صوب المنزل المحدد وكان يعرف مكانه جيّدًا، وفي الطريق أخبرني بأنّ الرجل سيصنع منه غدًا، عشاءً خاصًا بهذا اليوم!

   الترا فلسطين يجري تحقيقًا استقصائيًا حول آلية ذبح اللحوم الحمراء وبيعها في غزة، ومدى مطابقتها للمواصفات القانونية والصحية  

هذه ليست رواية من نسج الخيال، بل حديث مسجّل وثّقه مراسل "الترا فلسطين" لسائق "التك توك" الشاب (ع. د) سرد فيه تفاصيل القصة التي عايش لحظاتها في أيار/ مايو الماضي أثناء عمله في غزة، فيما أكدت لنا حديقة الحيوان جزءًا من صحة الرواية بأنها بالفعل ترفض استقبال الحيوانات النافقة، باستثناء بعض الحالات ووفقًا لمعايير محددة، ومع ذلك تخضعها للفحص قبل تقديمها للحيوانات خاصة بعد نفوق أحد الأسود لديها جرّاء تناوله للحوم نافقة تبيّن أنّها مسمومة.

"الترا فلسطين" أجرى تحقيقًا استقصائيًا حول آلية ذبح اللحوم الحمراء وبيعها في مدينة غزة -عدد سكانها 786 ألف نسمة- ومدى مطابقتها للمواصفات القانونية والصحية، وخلص إلى أنّ بعض تجار المواشي ومُربيها يلجأون إلى ذبح المواشي المريضة بعد نفوقها بدعوى "ذبحها في الرمق الأخير"، فيما يلجأ بعضهم – بحسب شهادات عدة موثقة- إلى ذبح العجول والماعز التي تمرض وتشارف على الموت وذلك قبل تخلصها من آثار الإبر والتي قد تشكل مواد كيميائية -داخل اللحم- تُعد من المسرطنات المعروفة أو المشتبه فيها وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، ومن ثم يبيعونها بطريقة غير قانونية وبأسعار زهيدة إلى بعض محال اللحوم تمهيدًا لبيعها للمواطنين؛ وذلك تفاديًا لوقوعهم في خسائر مادية كبيرة.

   عمليات ذبح للمواشي بعيدًا عن عين الرقابة ودون إخضاعها للفحص البيطري أو توفّر شروط الذبح الصحيّة، وبعض الجزارين يزوّرون الختم الخاص باللحوم  

وكشف التحقيق عن وجود عمليات ذبح للمواشي خارج القانون، حيث يقوم عدد (غير محدد) من أصحاب مزارع التربية بذبح المواشي داخل مزارعهم، بعيدًا عن عين الرقابة ودون إخضاعها للفحص البيطري أو توفّر شروط الذبح الصحيّة، ويلجأ عدد من الجزارين الذين يتعاملون بهذه الذبائح إلى تزوير الختم الخاص باللحوم، فيما يبيع آخرون اللحم دون ختم، وهو ما وثّقه معدُّ التحقيق بالصور أثناء زيارته لبعض محال اللحوم، وأكده فريق التفتيش على اللحوم.

لحوم غير مختومة بختم المسلخ البلدي

صور للحوم غير مختومة بختم المسلخ البلدي (سلك نحاس يختم بالرصاص)

صور للحوم غير مختومة بختم المسلخ البلدي (سلك نحاس يختم بالرصاص)

لحوم غير مختومة بختم المسلخ البلدي، ويظهر فساد بعض أجزائها

صور للحوم غير مختومة بختم المسلخ البلدي (سلك نحاس يختم بالرصاص)

كما كشف التحقيق عن "قصور قانوني" في معاقبة من يتم ضبطه خلال بيعه للحوم نافقة أو مريضة، فبعد دراسة لمواد القوانين القديمة والمستحدثة التي تنظم عمل المسالخ، تبين أنّه غاب عن بنودها إدراج عقوبة خاصة بمن يقدم على هذه الجريمة، واكتفى القانون بتغريم المخالفين بالغرامة ذاتها التي يتم إيقاعها على من يقوم بذبح المواشي خارج المسلخ البلدي ابتداءً، إضافة إلى مصادرة اللحم وإتلافه.

ولمس معد التحقيق حالة طيبة والتزامًا بالإجراءات الصحية والقانونية من قبل أصحاب محلات الجزارة الذين تمت زيارتهم عمومًا.

عجول نافقة

الحادثة السابقة "الخروف النافق" لم تكن الوحيدة، فقد كشف مصدر مطلع من داخل أروقة بلدية غزة رفض الكشف عن اسمه لـ "الترا فلسطين"، أن فريق التفتيش على اللحوم الحمراء قد تمكن سابقًا من ضبط عجلين نافقين أثناء عرضهما للبيع للمواطنين، أتلفت البلدية أحدهما فيما اختفت آثار الآخر!

ويروي المصدر قصة اختفاء أحد هذه العجول بعدما تم ضبطه خلال عرضه للبيع في أحد المحال، والتحرّز عليه داخل إحدى ثلاجات مسلخ بلدية غزة تمهيدًا لإتلافه صباح اليوم التالي.

فحص الطبيب البيطري الأجزاء الداخلية للمواشي

طبيب بيطري يفحص الأجزاء الداخلية للذبائح

يقول المصدر: في الصباح وأثناء المباشرة بإجراءات الإتلاف تبين أنّ العجل قد سرق من داخل ثلاجة المسلخ واختفى أثره!، وبعد تدخل الأجهزة الأمنية اعترف صاحب العجل النافق بسرقته في ساعات الليل، إذ إن الموظف المختصّ لم يغلق باب الثلاجة بالأقفال، إضافة إلى أن مساحة المسلخ كبيرة وأسواره ليست بالطويلة، ولا يقوم على حراسته سوى رجل واحد كبير في السن.

   مزارعون يذبحون حيواناتهم التي تُشرف على الهلاك ويبيعونها بسعر زهيد، وتجّار لحوم يكشفون عن تلقيهم عروضًا كهذه بين حين وآخر  

ويتابع المصدر، "لقد دُفنت القضية" واكتفت المحكمة بتغريم المدانين بمبلغ 800 شيقل فقط كمخالفة ذبح خارج المسلخ، فيما سجن صاحب العجل المسروق، ولم تغلق محال أي منهما، وعن مصير العجل النافق يقول المصدر: وصلتني معلومات من بعض الجزارين بأنه قد تم بيعه في جنوب قطاع غزة.

عروض مغرية

المواطن (ع.ج) صاحب أحد أشهر محال بيع اللحوم في قطاع غزة أكد لـ "الترا فلسطين" أن بعض مزارع تربية المواشي تذبح العجول والماعز التي تصاب بالأمراض -كحصر البول أو الاختناق- وتصبح على وشك الهلاك، ومن ثم يقوم صاحب المزرعة بالاتصال بمعارفه ويعرضه عليهم بمبلغ 300 دولار تقريبًا، فيما يبلغ السعر الأصلي له قرابة الـ 2000 دولار وقد يزيد.

  بعض تجار المواشي ومُربيها يلجأون إلى ذبح المواشي المريضة بعد نفوقها بدعوى "ذبحها في الرمق الأخير"، ، ومن ثم يبيعونها بطريقة غير قانونية وبأسعار زهيدة إلى بعض محال اللحوم  

وكشف صاحب محل الجزارة في شهادة موثقة، عن تلقيه عددًا من العروض بين الحين والآخر لشراء مثل هذه الذبائح المريضة بأسعار زهيدة، إلا أنه يرفضها جملة وتفصيلًا كما قال، مضيفًا "مع الوقت أصبح لدى أصحاب مزارع التربية زبونهم الخاص الذي هو على استعداد لشراء هذه الأنواع من الذبائح، مطلقًا عليها اسم "الوقيع" فيتوجهون إليه مباشرة وهو بدوره يقوم ببيعها في الأسواق بمبلغ زهيد".

وأوضح أن جميع المزارع تقوم بحقن الماشية التي تمرض لديها بالإبر لعلاجها، ويحظر بعد ذلك ذبحها إلى حين انتهاء مفعول هذه الإبر، إلا أنّ غالبية المزارع تقوم بذبحها حال مرضها الشديد ومشارفتها على الهلاك.

السرطان!

بدوره أكد الطبيب البيطري والمسؤول في مذبح بلدية غزة د. سمير الكباريتي أن أكل الإنسان لهذه اللحوم يسبب له العديد من الأمراض منها السرطان -كون هذه المواد الكيميائية تبقى مترسبة في الكبد وتمكث في جسد الإنسان لفترة طويلة جدًا- وهو ما ذهبت إلى تأكيده منظمة الصحة العالمية في تقرير لها عام 2015 نشرته عبر موقعها الرسمي.

وأكدت المنظمة في تقريرها أنّ اللحوم الحمراء تتكون من عناصر متعددة مثل حديد الهيم، كما أنها قد تحتوي على مواد كيمائية تتكون أثناء معالجتها أو طهوها، فتشمل المواد الكيميائية المسرطنة التي قد تتكون أثناء معالجة اللحوم، مركبات من نيتروزو وهيدروكربونات عطرية متعددة الحلقات مثلًا. ووفقًا للمنظمة فإن بعض هذه المواد الكيميائية تُعد من المسرطنات المعروفة أو المشتبه فيها.

اقرأ/ي أيضًا: الضفة: محلات إلكترونية تسرق زبائنها

وعن الإجراء المتبع حال ضبط مثل هذه الذبائح، أكد الكباريتي أنه يتم إتلاف هذه الذبائح مباشرة أيًا كان نوع الإبر التي تم حقنها بها، وتعتبر لحومها غير صالحة للاستهلاك الآدمي ولها تأثيرات سلبية على الإنسان -لا تظهر بشكل آني غالبًا-.

وأوضح أن أصحاب هذه الذبائح يلجأون لبيعها خارج القانون، دونما اكتراث لعدم تخلّص الحيوان بعد من آثار الإبر التي تم حقنه بها.

وأشار إلى أنّ إمكانية إقدام البعض على ذبح المواشي بعد نفوقها تبقى واردة "بِيعمَلُوها"؛ لكنّه استبعد أن يتعامل بها أصحاب محال بيع اللحوم الكبيرة لأن ذلك من شأنه أن يكشف مباشرة حال تم ضبطها.

أمراض معدية

ويشير الدكتور الكباريتي إلى أن هناك مجموعة من الأمراض التي تصيب العجول وتنتقل إلى الإنسان مثل مرض البروسيلا، والسالمونيلا، والحويصلات المائية، والدودة الشريطية، واليرقان.

وقال إن القرار بالحكم على الذبيحة يتم بناءً على نوع المرض ونسبة انتشاره، ففي حالة إصابتها باليرقان مثلًا نحكم على الذبيحة بالإعدام بناءً على درجة الاصفرار، وفي حالة الدودة الشريطية لو كانت أعدادها كبيرة فإنها تعدم كذلك، مشيرًا إلى أن هذا الدودة إذا انتقلت إلى الإنسان فإن طولها قد يصل عدة أمتار داخله وقد تصل إلى المخ.

وأكد على أن هذه الامراض باتت قليلة الانتشار في ظلّ تطور الرعاية الصحية للحيوانات، لكنّها تسجّل لدينا بين الحين والأخر.

استهلاك شخصي!

وكشف الطبيب الكباريتي عن أن بعض أصحاب الذبائح المريضة يسعى للحصول على ختم البلدية لتسويق ذبيحته ويكون خالي المسؤولية، مشيرًا إلى حالة أحد أصحاب المزارع والذي أقدم على ذبح عجل مريض داخل مزرعة التربية وبعد ذلك طلب الحصول على ختم البلدية، إلا أنّه وبعد الفحص الميداني تبيّن أن العجل كان يعاني من مرض شديد وقد تم حقنه بالإبر قبل يوم واحد فقط من ذبحه، علاوة على أنه لم يحقق "تمام النزف".

فحص الطبيب البيطري للأعضاء الداخلية للذبيحة

طبيب بيطري يفحص الأجزاء الداخلية للذبائح

ويتابع الكباريتي لقد صدر قرار بإتلاف العجل، إلا أن صاحبه لم يسلّم لقرار الطبيب البيطري وأخذ يسعى للحصول على اللحم بدعوى استهلاكه الشخصي والخاص، إلا أنه في النهاية تم إنفاذ القانون وإتلاف العجل.

وأشاد البيطري الكباريتي بأصحاب المزارع الذي يُقدمون على إتلاف المواشي النافقة من تلقاء أنفسهم بعد تأكدهم من هلاكها، مشيرًا إلى إحدى الحالات والتي أقدم فيها صاحب أحد مزارع التربية على إتلاف عجل مريض بعد ذبحه، إذ تبين أن العجل لم يحقق تمام النزف.

ظاهرة موحدة

واشتكى الطبيب الكباريتي مما أسماه "الظاهرة الموحدة" لدى كثير من أصحاب محال بيع اللحوم ومزارع تربية المواشي حال ضبط لحوم فاسدة أو مريضة، وهي الغضب الشديد والسعي للحصول على اللحم الفاسد بشتى الطرق.

ويضيف: للأسف الشديد النظرة الاقتصادية البحتة والاهتمام بالربح وتجنب الخسارة هو الهم الأكبر لدى أصحاب الذبائح المريضة والفاسدة.

توفير وخوف!

وعن أسباب مخالفة بعض مربي المواشي لقرار البلدية بالذبح خارج أسوار المذبح البلدي، أوضح الكباريتي أن بعضهم يسعى إلى توفير مبلغ 200 شيقل تكاليف الذبح، فيما يتخوّف البعض من إعدام ذبيحته لعلمه المسبق بمرضها، ويلجأ فريق ثالث إلى تلبية رغبات زبائنه خاصة عندما يطلبون شراء كمية كبيرة من اللحم.

وعن الفائدة التي تعود على الجزارين التي يتعاملون مع اللحوم غير القانونية، أشار إلى أنهم يتحصّلون عليها بأسعار متدنية، إضافة إلى تلقيهم ضمانًا من قبل أصحاب المزارع بتحمّل قيمة المخالفة المالية حال تم ضبطهم من قبل البلدية، يقول الكباريتي.

نفي وتأكيد!

حملنا جملة المخالفات السابقة ووضعناها أمام أحد أصحاب مزارع تربية المواشي في مدينة غزة المواطن (خ .ع)، فنفى وقوعها في مزرعته جملة وتفصيلًا عدا عن قيامه بذبح المواشي داخل مزرعته الخاصة سابقًا، وأشار إلى أنه أقدم على إتلاف عدة عجول مريضة وأجزاء عجول أخرى تبيّن له أنّها تعرضت لإصابات وذلك من تلقاء نفسه وبالتواصل مع البلدية في أحيان أخرى.

وكشف صاحب المزرعة عن قيام مسؤول يعمل داخل أروقة البلدية بشراء اللحوم منه، فيما أكد مسؤول كبير في البلدية لمعد التحقيق -أثناء جملة اللقاءات التي تم عقْدها- أنّه يقوم بشراء اللحوم من أحد أصحاب هذه المزارع، داعيًا إيانا –المسؤول- للبحث عن ملفات أخرى أكثر أهمية للتحقيق حولها!

فريق تفتيش واحد!

وبالعودة إلى مصدرنا في بلدية غزة، فقد كشف لنا عن خلل كبير في آلية الرقابة التي تتبعها بلدية غزة للتفتيش على محال ومطاعم بيع اللحوم الحمراء الطازجة، إذ إن فريق التفتيش المخصص لمدينة غزة يبلغ عدد أعضائه شخصين فقط بعدما كان شخصًا واحدًا لعدة سنوات! فيما تبلغ مساحة المدينة 56 كيلومترًا مربعًا، ينتشر فيها ما يزيد على 140 محلًا ومطعمًا لبيع اللحوم الحمراء.

ويضيف المصدر: لقد كان هناك فريق تفتيش كامل ومدرّب للكشف عن اللحوم الحمراء الطازجة عددهم 5 أفراد، إلا أن البلدية قامت بنقلهم منذ عام 2008 تقريبًا إلى العمل في أقسام البلدية الأخرى، وأبقت على موظف واحد فقط، وقد قُدمت عدة طلبات بإعادتهم للعمل في التفتيش؛ إلّا أن هذه الطلبات جوبهت بالرفض.

وتنشط عدة جهات حكومية كوزارة الاقتصاد والصحة والزراعة في الكشف عن المواد والسلع الاستهلاكية كافة التي تعرض للبيع في الأسواق، إلا أن المستشار القانوني لبلدية غزة سعيد الشرفا أعرب عن أسفه لغياب العلاقة التكاملية بين هذه الوزارات وبلدية غزة.

وأشار المستشار الشرفا إلى أن أجهزة التفتيش المختلفة لا تقوم بدورها بالشكل المطلوب، فيما لا تستطيع بلدية غزة توفير طواقم تفتيش إضافية بسبب غياب الدعم وعدم توفّر ميزانية كافية.

صعوبة السيطرة

السادسة صباحًا، كُنّا على موعد للقاء محمود المغني أحد أفراد فريق التفتيش على اللحوم الحمراء الطازجة، داخل أروقة مسلخ بلدية غزة جنوب حيّ الزيتون، والذي أكد لنا صحة المعلومة التي كشف عنها مصدرنا من أنّ فريق التفتيش الخاص بمدينة غزة مكون من شخصين فقط، هو وزميله!

وأوضح المغني أنه ينجح هو وزميله بشكل شبه يومي في ضبط لحوم فاسدة ولحوم غير قانونية -غير مختومة- وذلك خلال جولات التفتيش، "في بعض الأحيان نضبط فخذ عجل كاملًا، أو ربعًا كاملًا "يد العجل" وتكون فاسدة كونها تعود إلى عجول مريضة أو أنّها فسدت بفعل انقطاع التيار الكهربائي".

اقرأ/ي أيضًا: كيف يصبح السمك الفاسد طازجًا في غزة؟

وأقرّ المغني بصعوبة سيطرته التامة هو وزميله على السوق "فش إمكانية لازم تفلت منا حالات"، مؤكدًا في الوقت ذاته أن زيادة عدد أفراد الفريق من شأنه أن يساعد على تعزيز الرقابة وزيادة ضبط اللحوم الفاسدة وغير القانونية.

  تستهلك مدينة غزة يوميًا ما مقدراه 6 آلاف كيلو غرام من اللحوم الحمراء  

وأكد أن غالبية أصحاب المزارع يلجأون إلى ذبح العجول والماعز التي تصاب بالأمراض تخوّفًا من تكبد خسائر مالية كبيرة في حال نفوقها، لافتًا إلى أنهم على استعداد للمخاطرة بدفع قيمة المخالفة بل وأكثر منها، وذلك طمعًا في تحقيق ربح كبير حال تمكنهم من بيع لحومهم المريضة وإفلاتهم من الرقابة.

وأشار المغني إلى أن غالبية محال اللحوم تتعامل مع المسلخ القانوني، وذلك على العكس من مزارع التربية والتي في غالبيتها تذبح المواشي في داخل المزرعة.

تزييف الختم

وكشف المغني عن قيام بعض محال بيع اللحوم بتزييف الختم الخاص بالمسلخ البلدي-سلك نحاس يختم بالرصاص- والذي يميز المواشي القانونية، وذلك عبر نقله من ذبيحة تم بيعها إلى ذبيحة أخرى بالاستعانة بمادة لاصقة، لافتًا إلى أنّ فريق التفتيش قد تمكّن من ضبط الكثير من هذه الأختام والتي لا يستطيع كشفها في غالب الأحيان سوى مفتش اللحوم.

صورة توضيحية للختم البلدي الخاص باللحوم (سلك نحاس يختم بالرصاص)

صورة توضيحية لختم المسخ البلدي الخاص بالذبائح (سلك نحاس يُختم بالرصاص) 

ضبط ثلاثة عجول ونصف إضافة إلى عدد من الخراف تم ذبحها خارج القانون، وتحرير 15 مخالفة لأسباب مختلفة -شملت المضبوطات السابقة- كانت حصيلة عمل أسبوعين فقط، فصلت بين لقائنا الأول مع عضو فريق التفتيش وبين الاتصال الثاني الذي أجريناه معه، وفي ذلك إشارة واضحة إلى حجم عمليات الذبح خارج القانون.

الرقابة على المزارع

وعن آلية الرقابة على مزارع التربية والتي تعتبر المسرح الرئيس لعمليات ذبح الحيوانات المريضة وغير القانونية، أوضح المغني أنها من اختصاص دائرة الطب البيطري في وزارة الزراعة، فيما تقوم البلدية ببعض الزيارات لمزارع التربية حال تم ضبط لحوم مريضة أو ورود معلومات عن ارتكاب مخالفات.

توجهنا إلى مدير دائرة الطب البيطري في مدينة غزة د. موسى أبو حيدر والذي أكد أن مهمة دائرته هي الكشف على الحيوانات الحية في المزارع والتأكد من خلوها من الأمراض، فيما تقع مسؤولية الكشف عن اللحوم المريضة وغير القانونية على عاتق بلدية غزة عبر مراقبة عمليات بيع اللحوم في الأسواق.

وأشار إلى أن دائرته تجري زيارات شهرية دورية لجميع مزارع تربية المواشي والدواجن في مدينة غزة عبر لجنة مخصصة لمدينة غزة مكونة من طبيب بيطري واحد وفنيين! لافتًا إلى أن عدد المزارع الخاصة بالتجار المستوردين تتراوح ما بين 70 إلى 100 مزرعة، فيما يبلغ عدد مزارع التربية العادية ما بين 50 إلى 70 مزرعة، ويتراوح عدد مزارع الدجاج اللاحم ما بين 80 إلى 90 مزرعة.

ونفى أبو حيدر أن يكون عدد أفراد الفريق غير كافٍ للإشراف والرقابة على جميع هذه المزارع.

آثار الأدوية

وأعرب أبو حيدر عن أسفه من غياب التنسيق بين الجهات الثلاث – وزارة الزراعة وتجار المواشي وبلدية غزة- في عدم إجراء عمليات فحص مخبرية لمتبقيات الأدوية في جسم الحيوانات وذلك قبل أسبوع على الأقل من عملية الذبح.

وأكد أن بلدية غزة لديها صلاحية التواصل مع وزارة الزراعة لإجراء فحوصات مخبرية للحيوانات قبل عملية الذبح للتأكد من خلوها من آثار الأدوية، وإرجاء عمليات الذبح لفترة أطول حال اكتشاف أي آثار.

واستدرك أبو حيدر: لكن في النهاية لا يمكن لوزارة الزراعة وبلدية غزة أن تغطي هذه العملية، فلا توجد كوادر كافية لديهما، عدا عن عدم وجود مختبرات متطورة لديهم، إلا أن يتم اللجوء إلى مختبرات الجامعات.

قصور قانوني

وعن الإجراءات المتبعة بحق المخالفين لقرار الذبح داخل المسلخ أو بيع لحوم فاسدة، أوضح الكباريتي أنه إذا كان اللحم صالحًا فيتم إجازته مع تحرير مخالفة للبائع، وهو ما يمثل مخالفة صريحة لنص المادة 15 من نظام المسالخ في مناطق الهيئات المحلية لسنة 2015، والذي نص على مصادرة اللحوم المخالفة حتى وإن كانت صالحة وتسليمها للمؤسسات الخيرية.

وأشار إلى أن قيمة المخالفة تتراوح ما بين 200 شيقل للفخذ أو الربع، و1000 شيقل للعجل الكامل، وذلك بحسب ما يقرره القاضي، موضحًا بأنه سيقدم على طرح فكرة إعادة تفعيل مصادرة اللحوم غير القانونية -غير المختومة- حتى وإن كانت صالحة وذلك لزيادة الردع.

وفي حال تم ضبط لحوم مريضة أو فاسدة أوضح الكباريتي بأنه تتم مصادرة اللحم وإتلافه مع تحرير مخالفة للبائع، وهو ما يكشف أيضًا عن قصور قانوني واضح في معاقبة المخالفين.

فبعد دراسة بنود قانون نظام المسالخ لعام 1927 ونظام بلدية غزة لسنة 1935 ونظام تنظيم مسلخ بلدية غزة لعام 1941، وكذلك بعض النظم التي استحدثت عنهما كنظام المسالخ في مناطق الهيئات المحلية لسنة 2015، تبين أنهم لم يتطرقوا في بند مخصص إلى عقوبة من يقدم على بيع لحوم الحيوانات النافقة والمريضة، واكتفت بتلك العقوبة التي يتم إيقاعها على من يقوم بذبح الحيوانات خارج المسلخ البلدي ابتداءً، وذلك على الرغم من الفارق الكبير والشاسع بين المخالفتين.

مستند تحرير مخالفة

صورة/ مستند تحرير مخالفة ذبح حيوان خارج المسلخ

اقرأ/ي أيضًا: معلمو المدراس الخاصة: أداة في ماكينة استثمارية!

وتنص المادة 27 من نظام المسالخ لسنة 2015 على أن كل من يخالف هذا النظام – الذبح خارج المسلخ أو بيع لحوم مجمدة على أنها طازجة- يعاقب بغرامة لا تقل عن خمسين دينارًا ولا تزيد على مائتي دينار، وفي حال تكرار المخالفة يعاقب بالحبس لمدة لا تقل عن أسبوع وبغرامة لا تقل عن مائة دينار ولا تزيد على مائتي دينار، أو إغلاق المحل لمدة أسبوع، وفي حال التكرار مرة أخرى تضاعف العقوبة.

المستشار القانوني لبلدية غزة سعيد الشرفا كشف عن عدم تطبيق الغرامات التي نص عليها القانون في معاقبة المخالفين، مشيرًا إلى أن القاضي غالبًا ما يحكم بغرامة دون المنصوص عليها في القانون مراعاة للظروف الاقتصادية، ويلجأ إلى تقدير قيمة المخالفة بحسب طبيعتها.

فيما أكد عضو فريق التفتيش محمود المغني أن بلدية غزة ومنذ عام 2004 لم تُقدم على إغلاق أي محل لبيع اللحوم الحمراء سوى محل واحد.

ويبدو أن بعض من يُقدم على بيع المواشي النافقة واللحوم الفاسدة قد استغل هذه الثغرة ليوغل في مخالفته، خاصة أن مبلغ الغرامة متواضع مقارنة بنسبة الخسارة التي قد يتفادونها أو نسبة الربح التي قد يحصلون عليها حال إفلاتهم من رقابة البلدية.

وتتراوح أسعار العجول ما بين 1000 إلى 2000 دينار أردني، فيما تتراوح أسعار الماعز من 250 إلى 350 دينار بحسب أوزانها.

التصالح

قانون حماية المستهلك الخاص بوزارة الاقتصاد لسنة 2005، فرض عقوبة أشد على من يبيع لحومًا غير قانونية من تلك التي نص عليها نظام البلدية، إذ يُعاقب المخالف بالسجن لمدة لا تزيد على ستة أشهر أو بغرامة لا تتجاوز خمسمائة دينار أردني، أو بكلتا العقوبتين، إلا أن تعديلًا جرى على القانون عام 2017، أُجيز بموجبه للوزير أو مـن يفوّضـه التصـالح مـع المـتهم، مقابـل أداء مبلـغ لا يتجاوز ضـعفي الحـد الأقصـى للغرامـة، ويترتب على التصالح انقضاء الدعوى القضائية.

المستشار القانوني لوزارة الاقتصاد الوطني يعقوب الغندور نفى أن يكون التعديل الأخير قد فتح الباب أمام المخالفين لارتكاب المزيد منها، موضحًا بأن المخالفات الكبيرة يجري إحالتها إلى النيابة العامة.

وفي حال لم يتم الاتفاق على مبدأ الصلح الجزائي بين المخالف والشؤون القانونية للوزارة، أوضح الغندور أنّه يتم تحويل الأمر للنيابة، ومن ثم يودع بحق المتهم لائحة اتهام لدى محكمة الصلح، وغالبًا يكتفي القاضي بفرض غرامة على المخالف، وفي حال تكرار المخالفة قد يصدر أمر حبس مع وقف التنفيذ، أو حبس فعلي لمدة بسيطة؛ لأن هذه المخالفة لا تعتبر مشكلة كبيرة جدًا.

وأشار إلى أن وزارة الاقتصاد نادرًا ما تتلقى محاضر ضبط لحوم غير قانونية –مرة واحدة أو مرتين شهريًا- من محافظات مدينة غزة الخمسة، وهو ما ذهبت إليه دائرة حماية المستهلك في الوزارة، إذ نفت تسجيلها لأي حالة بيع لحوم غير قانونية في مدينة غزة خلال عامي 2016 و2017، واعتذرت عن عدم توفر إحصائية بكمية اللحوم الحمراء الفاسدة التي تم ضبطها في الأسواق خلال العامين نفسيهما.

وفي قراءة معاكسة تمامًا لتصريحات الغندور ودائرة حماية المستهلك، قالت بلدية غزة في تقريرها السنوي لعام 2017 إنها حررت 103 محاضر ضبط لحوم غير قانونية في مدينة غزة فقط، فيما لم تنشر عدد المحاضر التي تم تحريرها في تقرير عام 2016.

البلدية ترد

بدوره نفي مدير عام الصحة والبيئة في بلدية غزة م. عبد الرحيم أبو القمبز أن يكون عدد فريق التفتيش على اللحوم غير كافٍ للرقابة على جميع محال الجزارة ومطاعم اللحوم في مدينة غزة.

وأشار أبو القمبز إلى أن الفريق مزود بسيارة لرصد ومتابعة عمليات الذبح خارج القانون ولديه سيطرة كاملة ومستعد للعمل على مدار الساعة.

وعن عملية نقل الموظفين العاملين في فريق التفتيش على اللحوم، أوضح أبو القمبز أن عملية النقل تمت بغرض إنشاء جهاز رقابي جديد وهو قسم الرقابة على الأغذية.

اقرأ/ي أيضًا: منشطاتٌ جنسيةٌ قاتلةٌ تباع سرًا في الضفة

وفيما يتعلق بحادثة ضبط العجلين النافقين وسرقة أحدهما قبل عملية إتلافه، أقر أبو القمبز بوقوع الحادثتين وقال إنهما وقعتا في وقت سابق، رافضًا الكشف عن أي تفاصيل متعلقة بهما، واكتفى بالتأكيد على أن المذنبين قد نالوا جزاءهم المناسب.

وشدد على أن البلدية لا تتهاون بأي حدث كان صغيرًا أو كبيرًا، خاصة فيما بتعلق بصحة المواطنين، وتتم معاقبة المذنبين وفقًا للقانون.

وأشار إلى أن هذه الحالات نادرًا ما تحدث، ومن يقدم عليها هم أصحاب النفوس الضعيفة، لافتًا إلى سهولة كشف هذه الحالات من قبل المختصين.

وفي قضية تطابق العقوبة التي يتم إيقاعها على من يضبط أثناء بيعه للحوم مريضة أو فاسدة وبين من يخالف قرار الذبح داخل المسلخ البلدي، نفي أبو القمبز ذلك، مشيرًا إلى أنه في الحالة الأولى يتم إتلاف اللحم المضبوط، فيما يتم مضاعفة العقوبة حال تكرار المخالفة وصولًا إلى إغلاق المحل.

كما نفى انتشار عمليات الذبح خارج القانون في مدينة غزة، مشيرًا إلى أن تكلفة الذبح في المسلخ البلدي منخفضة وجميع الخدمات اللازمة متوفرة، لذا فإن الجزارين حريصون على الالتزام بالقانون.

إحصاءات

وبحسب إحصاءات رسمية نشرتها بلدية غزة لكميات اللحوم الفاسدة التي تم إتلافها بعد إخضاعها للفحص البيطري داخل مسلخ البلدية، فقد بلغت عام 2016 ما مجموعه 16 طنّا من اللحوم، فيما تم إتلاف 14 عجلًا إضافة إلى 6300 كيلو من اللحوم الفاسدة خلال عام 2017.

وتستهلك مدينة غزة يوميًا ما مقدراه 6 آلاف كيلو غرام من اللحوم الحمراء، عدا عن تلك التي تذبح خارج أسوار المسلخ البلدي والتي لا تعرف كميتها.

   أتلف مسلخ بلدية غزة ما مجموعه 16 طنًا من اللحم الفاسد في 2016   

وبعد تواصلنا مع عدة جهات داخل بلدية غزة فشلنا في الحصول على إحصائية دقيقة تكشف عن كمية اللحوم الحمراء الفاسدة التي تم ضبطها أثناء عرضها للبيع في محال الجزارة خلال العامين الماضيين 2016 و2017، فلجأ معد التحقيق إلى إجراء تحليل محتوى للتقارير الشهرية والسنوية لعمل فريق التفتيش واللذين تنشرهما البلدية عبر موقعها الإلكتروني، وتبين لنا أن البلدية لا تتطرق لذلك بتاتاً، باستثناء شهر أكتوبر/ تشرين أول لعام 2016؛ فقد أعلنت عن ضبط لحوم فاسدة وغير صالحة للاستخدام الآدمي في تسعة محال لبيع اللحوم.


اقرأ/ي أيضًا:

شبهات فساد نتيجة فجوة زمنية بين الحسابات الختامية للسلطة

عقد إذعان بين السلطة و"كهرباء فلسطين".. كيف حدث؟

مليونيرية يقودون عصابات "الشيكات البنكيّة"