أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.42
سعر الصرف 3.45
الدينار الأردني
سعر الشراء 4.81
سعر الصرف 4.87
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 3.83
سعر الصرف 3.87
مُغتربات في غزة.. لا شفاء من البعد!

مُغتربات في غزة.. لا شفاء من البعد!

885 مشاهدة
صورة توضيحية: سيدة مع طفليها في غزة - تصوير محمود عيسى (gettyimages)

شاحبٌ هذا اليوم، ثقيلٌ لا يمضي، أمسكتْ هاتفها، طلبتْ صوت أمها الذي تركنُ إليه في كُل حالاتها، لم تُجبها كعادتها "هلا يا روح ماما"، بل ردتْ شقيقتها "ماما أخذت دواءها ونامت". لم يُرخِ الاطمئنان أشرعته على روحها، عاودت الكرّة في الصباح التالي، ذات الجواب، لكن هذه المرّة لم تستطعِ التصديق، "بالله أعطوني ماما أكلمها"، خيّم الصمتْ، وعجزَ الجميع عن الإجابة، إنه الموت الذي لا يرأفُ ببعدٍ أو حبيب، حينها تصدّع قلبها وعلمتْ أنّ آخر ورقة أمانٍ قد سقطتْ من حياتها، بعد رحيل زوجها ووالدها من قبل.

الترا فلسطين يسأل مغتربات في غزة عن حياتهن تحت الحصار بعيدًا عن عوائلهن

ثلاثة عشر عامًا من الشوق لم تحظَ فيهم السورية وفاء بدر الدين (52 عامًا) بعناقٍ يُخفف لوعة الحنين إلى عائلتها، حتى سلبَ الموت والديها، وهي عاجزة حتى عن إلقاءِ نظرة وداعٍ أخيرة عليهما، لتشعر بعدها أن ما تبقى لها من أجنحةٍ قد كُسرت للأبد.

المعاناة كانت لصيقة حياة بدر الدين منذ انتقالها للعيش في قطاع غزة، فقد حُرمت من مشاركة عائلتها جميع مناسباتهم، ولم تشهد حفل زفاف أي من أشقائها، وكذلك غابت عائلتها عن جميع مناسبات أبنائها، بسبب المعابر وصعوبة إجراءات السفر التي تمنع استصدار تأشيرات دخول لأبنائها إلى سوريا. ولذلك فإن مرارة الغربة لا تبرح عقلها، وكل ما تملكه بضع صور ومقاطع فيديو، كُلما أعادت النظر إليها ذرفت الدمع ودعت الله بلقاءٍ قريب كما تقول لـــ الترا فلسطين.

اقرأ/ي أيضًا: زوجات مغتربين بين تضييق الأهل ونار الشوق

لم تكن الغربة يومًا بالنسبة لبدر الدين إلا سجنًا لم يهّونه عليها بعد رحيل زوجها إلا أبناءها اليتامى الذين تعهدت تربيتهم، فكانوا لها الأنس والحياة. وفي نصيحة متألمٍ تقول: "محدش يتغرّب، لو بده ياكل الحجر في بلده، الغُربة ذُل، فش طعم للفرح، المشاعر الحقيقية بتكون مع الأهل، والله لو الدنيا كُلها تقف شجرة قدامي، ما راح أغربّ حد من أولادي".

تفاصيلٌ مفقودة

أيام الغربة تبدو متشابهة لمن يُكابد ألمها، ويفتقد أحبته في كُلِ موضعٍ وحديث، وعلى غير عادتها المُقاومة لكُل ألم، غابت ابتسامة الصباح عن مُحيا أمل حبيب (31 عامًا) من مدينة غزة، كأن قلبها تطيّر بحزنٍ آت، وهي التي علمتْ مؤخرًا بتدهور صحة والدها وبدئه تعاطي أول جرعات الكيماوي بسبب مرضه بالسرطان.

بينما تتنقّل بين أوراق عملها، وكزها قلبها، فعاجلتْ أمها باتصالٍ تطمئن به على والدها. أجابت "بابا بخير، ما تقلقي"، لكنّ الوجع أكبر من أن يختبأ خلف كلماتِها تلك، وقلب أملٍ دليلها الذي لا يُخطئ حال حبيبها، فبعدَ إصرارٍ أبدته، علمتْ أنّ والدها يمكثُ في العناية المُكثّفة، توقفتْ الحياة بالنسبة لأمل، وشعرتْ بإمعان الغربة إيذاءً في قلبها، تمنّت لو يهبها الله معجزةً تجدُ بها نفسها إلى جانبه.

لم تتقبل أمل صورة والدها الذي تقلّص جسده وغزا الشيب رأسه، شعرتْ جيدًا كيف يكونُ العجز في أن تمدّ يدها فلا تصل لجبين والدها، أن تُحاول المواساة فتنحبس الكلمات ويُلهب الدمع مقلتيها، أن تشتهي احتضانه فلا تستطيع، تهرب من رؤيته على حالته تلك، ترسل بعضَ الرسائل النصية والصوتية علّها تُعفي نفسها من مواجهةٍ تنكسر فيها بعد كل مرة، وتلعن معها الاحتلال ألف مرة كما تُعبّر لـــ الترا فلسطين.

كيفَ تهوّنين الغُربة يا أمّل؟ "بشكير أمي كفيلٌ بأن يشفيني كُلما قبّلْته، إنّه رفيق كُل حالاتي، أضمّه إلى صدري وأشم رائحة أمي، كان رفيق كتفها كُلما دخلت المطبخ، وأصبح رفيقي كلمابكيتْ أو اشتقتْ، بعض الأشياء نعي مكانتها بعد فقدانها".

اقرأ/ي أيضًا: في بلادنا يستعلون على الخادمة ويعشقون قصة سندريلا

ست سنوات آمنتْ أمل خلالها يقينًا أن غربة الأهل أشدّ من غربة الوطن، حينما لم تجد كتف والدها لتبكي بُعدها عنه ليلة زفافها، وافتقدت ابتسامة أمها الجميلة في حفل تخرجها، ولم تجد جوابًا على طلبِ صغارها "بدنا نروح على دار سيدو زي أولاد الجيران"، ولا في يوم العيد الذي لاتمتدُ به أيديهم الصغيرة لمُصافحة "خالو" الذي لم يعتادوا وجوده بينهم مذ أبصروا الحياة.

تُحاول أمل قضم مسافات البعد بين غزة وعائلتها في دولة الإمارات العربية بإرسال تفاصيل صغارها "أول سن"، "أول كلمة"، "أول ضحكة"، فالبعدُ لم يكن جفاء يومًا ما، "إنما هوَ نارٌ لا تنطفؤ في قلوب المُغتربات مهما طال بهم العمر" وفق وصف أمل.

وتقول: "أنا أستشعر جيدًا معنى الأسر، ولو أني لم أجرّبه إلا أنني أشارك الأسرى ولو جزءًا بسيطًا من المعاناة، فأنا هنا أسيرة في غزة، محرومة من لقاءِ عائلتي، إلا عبر نوافذ الهواتف التي تقتل مشاعرنا ولا تنقلها، أُقبل الشاشة مرارًا، وأتمنى لو أني أخترقها وأحتضن والديّ واخوتي".

جميع محاولات أمل للالتقاء بعائلتها باءت بالفشل، نظرًا لصعوبة إجراءات السفر الذي قد يُسمح لها أحيانًا دون أبنائها الصغار وزوجها، وكذلك إغلاق معبر رفح بشكل دائم، وأزمة الرواتب، والحروب المتكررة، فلم تجدْ مُتنفسًا لها سوى الكتابة تحت هاشتاغ #تفاصيل عبر حسابها الشخصي في موقع التواصل "فيسبوك"، علّها تُعبر عما يعتريها من مشاعرٍ، وتُخفف عن أملٍ أخرى تُعاني ولا تستطيع الكتابة.

لاشفاء من البعد

على باب غرفة الولادة، وقفت منال الحاج حسن (32 عامًا) تحمل طفلها الصغير "إيهاب"، تتفحص الوجوه، علّها تجدُ ضآلة روحها، عالم أمها ودعواتها، وعبثًا، يتلاشى الأمل باللقاء، وتُسرع الغربة لصفعها، تُذكرها بالحدود والسدود، وتُجبرها على الوقوف أمام الحياة وحيدة تُجابه الشوق والبعد بالكتمان.

عام 2012 كانَ له النصيب الأكبر من إيذاء قلب منال، عام الحزن والفراق، تشتتَ بها السبل وافترقتْ عن عائلتها، لتعود مع زوجها إلى قطاع غزة، وتنتقل عائلتها للاستقرار في هولندا.

طفلا منال، إيهاب وعبد الرحمن لم يجلسا في حضنِ جدّيهما قط، ولم يعهدا دلالهما، لكنّ منال تُحاول خلق جو من القربِ والحب عبر إرسال الصور وبعض المكالمات ومقاطع الفيديو، علّها تُعوّض شيئًا من الحرمان الذِي كُتب عليهم منذ ست سنوات، كما تُبين لــ الترا فلسطين.

منال التي تفتقد زيارة أهلها وجلسات أخواتها، ومشاكسات إخوانها، تحنّ أيضًا إلى تحية صباحِ والدها، ودعواتِ أمها، لطعامٍ تُعده بحب، ولا تجدُ أحبتها يجتمعون حوله، إلى كلماتٍ تُسندها في مرضها، لثناءٍ يُطيّب خاطرها، لوقتٍ تُخبر صغارها "هذه خالتك، هذا خالك"، لكلِ التفاصيل التي اعتادتْ عليها أعوامًا وتناثرت في لحظةٍ ما في الغربة.

وتُلخص حياتها في مقولة "الغربة كُربة"، فمهما امتدت الغربة بصاحبها إلا أن شعور الوحدة لا يخفتُ مع الزمن، وإن منحت المُغترب شيئاً سلبت منه أضعافَ ذلك، ولا شيء يعوّض حالة الفقد التي تلازمه في معظم أوقاته.


اقرأ/ي أيضًا: 

شابات لجأن إلى رام الله.. كيف الحياة معكن؟ 

عرسان في غزة من "شهر العسل" إلى قضبان السجون

مطلوب عريس بدون شروط وعروس موظفة