17-سبتمبر-2017

"البيوت مش أسرار" في قطاع غزة، فالأسرار مشاع ومشاركة مع الجميع، تقول "أم مالك" صاحبة الـ50 عامًا من أحد مخيمات اللاجئين في قطاع غزة، متحدثة عن واحدة من مساوئ الاكتظاظ غير العادي في البقعة الأكثر كثافة سكانية في العالم، التي زاد عناؤها مع إتمام حصارها سنواته العشر.

ففي أغلب المناطق السكنية بقطاع غزة، تخترق الأصوات نوافذك لتجبرك على سماع كل شجارٍ بين الصغار، وكل جدالٍ بين زوجين، ولتعلم بتوقيت تأنيب كل أمٍ لطفلها، وتسمع القصص التي تدور في بيوت جيرانك، فالمساحة أصغر من أن تُسعف أذنيك عدم سماع كل تلك المواقف والأحاديث.

يفتقد سكان قطاع غزة للخصوصية داخل منازلهم، ويُضطر الأشقاء في منزل واحد إلى التحدث مع بعضهم عبر وسائل التواصل حتى لا يسمع جيرانهم بحواراتهم الخاصة، بسبب الاكتظاظ غير العادي

تقول "أم مالك": "أبنائي لا يجلسون في البيت، بسبب كثرة مشاكل الجيران وارتفاع أصواتهم، فيضطرون للخروج إلى الشارع أو إلى أصدقائهم، أملاً في حصولهم على الهدوء، وهذا يجعلني مستاءة جدًا، وقد أشعرنا الجيران بضيقنا أكثر من مرّة، لكن دون جدوى، فالهمس يكاد مسموعًا، فما  بالك بالصوت المرتفع".

اقرأ/ي أيضًا: في بلادي.. يخافون ولادة الأنثى ويعزون أهلها

ويضطر أبناء "أم مالك" داخل منزلها إلى التحدث مع بعضهم في حالات كثيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خشية سماع الجيران لتفاصيل أمورهم وحياتهم.

وفي نهاية عام 2016، زاد عدد سكان قطاع غزة عن مليوني نسمة، فيما تبلغ مساحة القطاع 360 كم.

الأربعينية "ابتهال"، تقطن في إحدى الشقق السكنية وسط مدينة غزة تقول: "أُصيبت ابنتي بوعكة صحية شديدة، وبقيت على إثرها تسعل مرارًا، فإذا بإحدى الجارات تدّق باب بيتي للاطمئنان عليها بعد سماعهم لها". ورغم أنّ الأمر كان بظاهره مقصدًا طيبًا، إلا أنه نبهها لأن تغلق نوافذها المفتوحة على جيرانها حين الجلوس مع أبنائها أو استقبال ضيوفها.

وتوضح"ابتهال"، أنّ إغلاق النوافذ ليس حلاً في كل مرة، لأن الإنسان يمر في ظروف متقلبة لا يتحكم فيها بصوته، ما يجعلهم عرضة لافتضاح مواضيعهم الخاصة وانكشاف أسرارهم على الجيران، "وهذا أمرٌ مخرج وسيء للغاية" كما تقول.

وبسبب صغر مساحة قطاع غزة، فإن ثمن الأراضي فيه مرتفع مقارنة بأوضاع السكان الاقتصادية ودخلهم، ما يجعلهم يتكدسون في الأبراج السكنية، ويحول دون قدرتهم على اقتناء منازل مستقلة لكل منها مساحة خاصة بها، وإن توفر لكل عائلة بيت مستقل، فإن مسافة بسيطة جدًا تفصله غالبًا عن منزل الجيران.

وسبق أن حذر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد" من التداعيات الاجتماعية والصحية والأمنية للكثافة السكانية العالية، والاكتظاظ من بين العوامل التي قد تجعل غزة غير قابلة للحياة بحلول عام 2020.

أما أبو ياسر (35 عامًا) فيقول إنه لا يحتاج لمنبه يومي، فجارته تمنحه منبهًا مبكرًا وثابتًا بصراخها اليومي على أبنائها حينما يحل موعد ذهابهم للمدرسة، فيستيقظ رغمًا عنه، ويذهب إلى عمله.

ويقول: "ألِفتُ هذا الأمر لكنه أمرٌ مزعج للغاية، ومهما ابتعدتُ عن مصدر الضوضاء، ستجد صوتًا آخر يأتيك من كل ناحية، نظرًا لتلاصق البيوت والشقق السكنية ببعضها البعض، وعدم وجود مسافات كافية تحجب حياة الآخرين عن بعضهم البعض".

الأخصائية النفسية آمنة زقوت تُبين أن العيش في بيئة مكتظة يخلق جوًا غير مريح على الصعيد البيئي؛ لارتفاع الأصوات ووجود كمية كبيرة من الضوضاء، إلى جانب تكدس النفايات وتفشي الروائح بشكل سريع، ما يجعل الإنسان عرضة للأجسام الطيّارة والروائح الضارة التي تسبب العديد من الأمراض.

وتشير إلى أنّ كثرة الاحتكاك مع الآخرين يُفكك العلاقات ويُولد العديد من المشاكل الاجتماعية، كانتشار الحسد والنقمة لتفاوت الطبقات بين الناس، ويثير أحاديث القيل والقال.

أخصائية نفسية: الاكتظاظ يُفقد الناس الإحساس بالأمان والسلام النفسي، ويخلق بيئة مهيأة للأمراض العصبية والتوتر والقلق

ويصاب الشخص في هذه البيئة بـما يُسمّى بــ"الحرق الاجتماعي"، أي يشعر بانتهاك خصوصيته ومراقبته، واستماع الناس لكافة تفاصيل حياته اليومية، لتصبح بذلك حياته مشاعًا وليست ملكه وحده، فيخرج من منزله مستشعرًا بأنّ جميع من حوله يعرفونه، وفقًا للأخصائية آمنة.

وترى آمنة، أن الاكتظاظ يُشعر الشخص بمنازعته على استقلاليته، ويُفقده الإحساس بالأمان والسلام النفسي، حتى في أدّق أموره، بل ويُقيده في جميع حالاته، فيعيش تحت الضغط، خشية سماعه من قبل جيرانه، كي لا يأخذوا انطباعًا غير جيّد عنه، في ظل العيش بمجتمع يحكم على الظاهر بشكل كبير.

جميع الأسباب السابقة تجعل الإنسان في بيئة مهيأة للأمراض العصبية، والتوتر، والقلق، وتبعث في النفس مشاعر سلبية كالإحباط والاختناق وغيرها، فتصيب أصحابها فيما بعد بكثير من الأمراض التي تدمر جسم الإنسان، لأن معظم الأمراض منشأها نفسيّ.

ويسبب التكدس في هذه المناطق إلى نشوء علاقات غير مشروعة، يرتفع فيها السلوك غير القانوني والمشروع، لأن الحياة مكشوفة، والبيوت محصورة، فتجد الشارع مفرًا للصغار والكبار، ناهيك عن فقدان السيطرة على تربية الأبناء، لأنهم نتاج البيئة المكتظة بأصناف البشر واختلاف حالاتهم وصفاتهم.


اقرأ/ي أيضًا: 

جدران غزة.. حب وغضب وأشياء أخرى

أهل غزة للإسرائيليين: المجاري علينا وعلى أعدائنا

سردين غزة غذاء لفقرائها.. ماذا عن الصيد الجائر؟