11-يونيو-2018

صورة توضيحية: مُصاب في مسيرات العودة يذهب مشيًا على الأقدام لمتابعة العلاج في المستشفى - (gettyimages)

يجول محمد أبو غزة (25 عامًا) شوارع قطاع غزة من محافظة لأخرى متنقلاً بين أصدقائه في محلاتهم التجارية أو بسطاتهم أو على شاطئ البحر، هربًا من الحر الذي يعتقد أنه يزيد من آلام قدمه اليمنى التي أُصيبت في مواجهات "جمعة الكوشوك" بتاريخ 6 نيسان/إبريل، في مسيرات العودة على الحدود الشرقية لمدينة رفح.

أبو غزة، واحد من آلاف الجرحـى الذين أُصيبوا بطلق متفجر مباشرة في القدم، ويعانون من نقص الأدوية والرعاية الصحية، فوق ذلك تتفاقم معاناتهم مع الحر والرطوبة في منازلهم نتيجة انقطاع التيار الكهربائي وعدم وجود وسائل تهوية وتبريد على الأقدام التي وضع فيها "أسياخ" بلاتينية، وهي تتأثر - بشكل غير مباشر - بالحرارة والرطوبة ونتنج الآمًا شديدة عند المصابين.

"أسياخ البلاتين" تُنتج آلامًا مضاعفة عند جرحى مسيرات العودة لغياب وسائل تهوية وتبريد على الأقدام في ظل انقطاع الكهرباء

أبو غزة من سكان رفح، أصيب بطلق متفجر مباشر في الركبة، نتجت عنه إصابةً في مفصل الركبة، وتهشمًا في عظام الفخذ العلوي، وقطعًا في عصب الشذي "عصب الحركة في القدم"، ولذلك لا يستطيع تحريك قدمه منذ شهرين حتى اللحظة، رغم تثبيت عظام القدم بأسياخ بلاتين، لكنه رغم ذلك لا يستطيع البقاء في منزله لكي لا تزيد آلامه.

اقرأ/ي أيضًا: مسيرات العودة: مصابون بلا علاج

أخبروه في المستشفى الأوروبي جنوب القطاع أنه لا يُمكن إجراء عملية جراحية في أعصاب القدم، لأنه يحتاج لعملية اختصاصية كلية في العصب، وهو بحاجة لإجرائها في الخارج، لذلك يناشد الجهات الطبية لإجراء عملية في الخارج وتقديم الأوراق الرسمية، لكن دون نتيجة بعد.

يجلس أبو غزة بالقرب من أصدقائه على رصيف شارع عمر المختار وسط مدينة غزة ليعرض قدمه المصابة للهواء الطلق، ويقول لـ الترا فلسطين: "كل ما تأخرت العملية الجراحية زاد احتمال تلف الأعصاب".

[[{"fid":"72291","view_mode":"default","fields":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false},"type":"media","field_deltas":{"1":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false}},"link_text":null,"attributes":{"height":380,"width":507,"class":"media-element file-default","data-delta":"1"}}]]

ويضيف، "أخبرني دكتور العظام أن في قدمي أربعة مداخل أسياخ بلاتينية، والحركة الكثيرة تؤدي إلى التهابات في القدم وتوسع في المدخل، ومع عدم وجود وسائل تهوية وتبريد أشعر بآلام مضافة كبيرة تختفي نسبة منها بمسكنات قوية".

تأخر إجراء عمليات جراحية للجرحى الذين تم تثبيت أسياخ بلاتين في أقدامهم يُهددهم بإصابات دائمة

يُضطر أبو غزة كثيرًا لغسل قدمه ومكان فتحات أسياخ البلاتين بالمحلول الملحي ثلاث مرات يوميًا، لمنع إصابته بتجلط أو ورم، إضافة لترطيب مكان الأسياخ بمراهم مضادة حيوية، ومرطبة للبشرة، وحمايتها من الحرارة.

أما المصاب فارس العثماني (17 عامًا) فلا يستطيع النوم في كثير من الأيام، بسبب آلامه الشديدة في قدمه اليمنى نتيجة اشتداد الحرارة والرطوبة في منزله الواقع ببلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، بعد أن أصيب بطلق متفجر في بداية مسيرات العودة بالقرب من معبر "ايرز" أقصى شمال القطاع.

اقرأ/ي أيضًا: جريحات في مسيرات العودة.. "لنكون أول العابرين"

أصيب العثماني في الثاني من نسيان/إبريل الماضي، سببت إصابته نقصًا مقداره 15 سم من العظام في القدم، وهو بحاجة لعملية زراعة عظام منذ أكثر من شهرين، ويعاني من مشاكل في أعصاب القدم، رغم إجرائه ثلاث عمليات لربط بعض الشرايين والأوردة، لكن مع اشتداد الحرارة يحاول كل يوم الهروب لمنازل أقارب له أو محلات تجارية ومعارض فيها مراوح تهوية أو مكيفات.

[[{"fid":"72292","view_mode":"default","fields":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false},"type":"media","field_deltas":{"2":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false}},"link_text":null,"attributes":{"height":380,"width":507,"class":"media-element file-default","data-delta":"2"}}]]

التقيناه داخل ميناء غزة، يقول لـ الترا فلسطين: "أشعر بنيران تشتعل في قدمي من الأسياخ، وأشعر بدغدغة في بعض المرات تدفعني لحك قدمي، لكن أجدها أصبحت حمراء جدًا ثم تلتهب، ولذلك لم أستطع النوم في كثير من الليالي من شدة الحر والرطوبة". وأضاف، "فوقها استدنت كثيرًا ثمن المسكنات ومضادات حيوية، لأن الكثير من الأدوية لا تتوفر في المستشفيات".

يحدث مثل ذلك مع أدهم عويص (29 عامًا)، إذ تشتد عليه آلام قدمه مع اشتداد الحر والرطوبة في منزلهم الواقع في مخيم الشاطئ، بعد أن أصيب في 14 أيار/مايو الماضي خلال مسيرات العودة في ذكرى النكبة، وتسببت إصابته بقطع شرايين الأصابع السفلى في قدمه اليسرى، وفقدان 10 سم من العظام المفصلية، وخضع لأربع عمليات لربط الشرايين ووضع البلاتين، كما أصيب بكسر شديد في يده اليمنى.

لم تعد آلام عويص تستجيب لمفعول المسكنات القوية التي تتوافر في الأسواق، ونتيجة الحر الشديد وشعور الكثير من المرات بآلام بسبب أسياخ البلاتين، اضطر لشراء حقنة الترمادول عن طريق تقرير مختوم من المستشفى في ظل الرقابة الشديدة على الترمادول.

[[{"fid":"72293","view_mode":"default","fields":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false},"type":"media","field_deltas":{"3":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false}},"link_text":null,"attributes":{"height":380,"width":570,"class":"media-element file-default","data-delta":"3"}}]]

يقول عويص لـ الترا فلسطين: "البلاتين نار وموضوع على قدمي، أتناول الحقنة في الصيدلية وأبقى ساعتين تقريبًا في نفس الصيدلة لوجود مكيف يبرد على قدمي، أو أتوجه لمحل تجاري لأحد أقاربي لكنه بعيد قليلاً في منطقة الشيخ رضوان لأنه في مكيف، وفي الكثير من المرات اشتري ثلجًا من محلات لبيع الثلوج وأضعها على قدمي".

غالبية من أُصيبوا في العظام خلال مسيرات العودة أصبحوا من ذوي الإعاقة، ويصعب عودتهم لطبيعتهم السابقة

الطبيب والاستشاري في جراحة العظام والمفاصل في المستشفى الأوروبي غسان أبو زهري، يُبين أنه من ناحية علمية لا يوجد أي ارتباطات مباشرة بين الآلام التي تُسببها الأسياخ البلاتينية ودرجات الحرارة، "لكن طبيعة حالة مصابي العظام خلال مسيرات العودة هي ما تسبب الآلام، وتسبب أعراضًا جانبية وحساسية من أي أداة طبية، فمعظمهم إصاباتهم خطيرة، وقد أفقدتهم جزءًا كبيرًا من العظم، الى جانب تعرضهم لإصابات في الشرايين والأعصاب مع إصابة العظام".

ويضيف أبو زهري لـ الترا فلسطين، أن غالبية مصابي العظام عرضة للالتهابات حتى من الماء الملوث في غزة، "فالالتهاب وطبيعة الإصابة تجعل من حرارة الأسياخ والرطوبة جهازًا حساسًا يسبب آلام شديدة، والقدم بحاجة لتهوية للسيطرة لتحافظ البشرة على متانتها وتماسكها، لكن هذا صعب للأسف بالنسبة للمصابين في غزة".

ويشير أبو زهري إلى أن غالبية مصابي العظام أصبحوا يصنفون أشخاصًا ذوي إعاقة، لأنهم فقدوا نسبة من عظامهم في أقدامهم ومن الصعب أن يعودوا إلى طبيعتهم السابقة. ويضيف، "حسب الحالات التي شاهدتها وعالجتها، للأسف غالبيتهم يحتاجون لعشرات العمليات الجراحية على مدار لا يقل عن عامين، والجانب الطبي في غزة منهار، لا أعلم أي مستقبل ينتظرهم للأسف".


اقرأ/ي أيضًا:

مسعفة بقدم مكسورة وضغط مزمن و"هيموفيليا"

حكاية محمد النجار.. "حتى لا يبرد في ثلاجة الموتى"

عندما قتل الاحتلال جهاد مقتلعًا عيون شقيقاته