03-ديسمبر-2022
Getty

تُقدِّر رئيسة نقابة عاملات الكوافير والتجميل في غزة أعداد الصالونات في القطاع بـ1800 صالونٍ مرخّصٍ تقريبًا 

بواجهات ألواح معدن "الكمبوزايت" الوردية والأعمدة الجبسية المذّهبة وأرجوحة الدُمية "باربي" وملصقات كبيرة لفاتنات على الألواح الزجاجية؛ تتفشّى مئات من صالونات التجميل في شوارع قطاع غزة لاجتذاب من هنّ على موعدٍ قريب لتكون عروسًا وبصحبة وصيفاتها، سيّدات قاعة الفرح المنتظرة.

تُقدِّر رئيسة نقابة عاملات الكوافير والتجميل في غزة وفاء عفانة أعداد الصالونات في قطاع غزة بـ1800 صالونٍ مرخّصٍ تقريبًا 

فلا يكاد يخلو شارع رئيسيّ أو فرعيّ في القطاع الساحلي الصغير من صالون تجميل أخفى خلف ستاره الأسود جلبة أمّ العروس وشقيقاتها بمطالبة الكوافيرات بتعديلات طفيفة لظلال العيون الترابية أو أساس كريميّ غامق أو تسريحة شعر "الفراولة".

أما عن تكلفة تجهيز تلك العروس وأمها وحماتها، فلا يهمّ؛ طالما أن المكلّف بدفع المئات من الشواقل مقابل تلك الإطلالات العصرية سيقف بسياراته المستأجرة المزخرفة بالورد الاصطناعي على بعد أمتارٍ من الستار لينتظر عروسه أو خطيبته المتوتّرة.

مشهد السيارة المستأجرة وما سيُرافقه لاحقًا من جلَبة طبول عازفي فرقة "الفدوعس"، قد لا يتكرر مجددًا أمام ذات الصالون الذي "تخرّجت" منه عروسنا بمجرد مرور أشهرٍ، أو عامٍ كامل إن كانت "الكوافيرة" من المحظوظات حقًا.

وتُقدِّر رئيسة نقابة عاملات الكوافير والتجميل في غزة وفاء عفانة أعداد الصالونات في قطاع غزة بـ1800 صالونٍ مرخّصٍ تقريبًا، ولا يشمل ذلك "الكوافيرات" اللائي يعملن من المنزل. 

وسرعان ما يُرى ملصقٌ على باب الصالون يحمل عبارة "للإيجار"، لتسجّل صاحبته إخفاقًا تجاريًا لم يكن في الحسبان. وتعتقد العديد من أصحاب تلك الصالونات اللاتي يؤكدن جدوى العمل في هذا القطاع الخدمي، أنّ قلة الخبرة وعدم مجاراة الموضة العربية -على الأقل- سيعني تناقص عدد الزبونات وصولًا إلى إقفال الصالون.

getty
getty

فمن وجهة نظر بسمة صلّوحة والتي تُدير صالون "بسمة"، "فإن المسارعة لافتتاح صالون تجميل كونه يُحقّق مكسبًا مجديًا لا يبدأ بتعلّم "لوكّات" من "يوتيوب". وتقول لـ"الترا فلسطين": أعرف بعض الكوافيرات شاهدن مقاطع مصورة على التطبيق وخصّصن ألفًا أو اثنين لافتتاح مشروعهن الحالم، لكن أبوابها لم تعد تستقبل زبائن مجددًا بمرور فصلين شتويين".

وتضيف بسمة (28 عامًا) التي تحرص دوريًا على استيراد مواد التجميل من الولايات المتحدة، بعيد الانتهاء من تسليم آخر عروسٍ خلال يومها المشغول، أن المثل الشعبي القائل: "لولا الغيرة ما حِبلت النسوان"- ينطبق تمامًا على صناعة هذا الفنّ النسويّ؛ فتسمعهنّ يثرثرنّ: الكوافيرة الفلانية تجمع صافي مبلغٍ بالمئات وأخرى شارفت على الألفين شيقل، لكنّ ما الفائدة طالما أن الخبرة وملاحقة الموضة العالمية هما باسوورد الصنعة!".

وتُعدّ صناعة صالونات التجميل في غزة من أكثر القطاعات المشغّلة للإناث وأوفرهنّ أجورًا، مقارنةً بأجور العاملات في رياض الأطفال مثلاً- بحسب رئيسة النقابة.

تتراوح أجور العاملات في صالونات التجميل من 700 – 2000 شيقل تقريبًا 

وتتراوح أجور العاملات في صالونات التجميل من 700 – 2000 شيقل تقريبًا، اعتمادًا على خبرة العاملة، فيما لا يتحقق أقل من نصف تلك الأرقام في قطاع تلك الرياض، ما يجعله مضمار سباقٍ للفتيات للالتحاق -ولو تحت التدريب- بتلك الصالونات.

لكن الأمر خفيّ بالنسبة للكوافيرات العاملات من منازلهنّ؛ فاستمرار عملهنّ مرهونٌ بالاطلاع على آخر صيحات الموضة الخليجية واللبنانية والمغربية التي تنشرها سيدات الشاشة بفناناتها وممثلاتها والمؤثرات على مواقع التواصل الاجتماعي.

وترى بسمة التي أنهت دورةً تدريبيةً محترفةً على يد خبير التجميل الأردني الشهير "جاكوب لامبز" في عمّان، أن نحو 85 في المئة من الزبونات في غزة يبدو أنهنّ متابعاتٍ شغوفات لصفحات هؤلاء المؤثرات والفنانات. "بعضهنّ يطلبن تفصيل رسم كحل العيون على طريقة الخبيرة الإماراتية هند الجابر، وإبراز الشفاه والأنف المدبّب على طريقة "لامبز"، أو ظلال الجفون على طريقة الخبيرة المصرية أسماء عادل، وإبراز عظام الخدود اللامعة على طريقة الميك آب آرتست اللبنانية "جويل مردينيان".

اقرأ/ي أيضًا:
حلّاق في سجن مجدو

أما في الصالونات الشعبية التي "تقرّ" بمستواها التجميليّ، فيبدو أن "الكوافيرات" هناك لا يخشين الإغلاق طالما أن السعر الذي تقدّمه أقلّ من ربع ما تطلبه نظيراتها من المحترفات. 

حيث تقول إلهام قاسم صاحبة صالون "ليدي وان": "إن ميك أب لأم العروس هناك لن يتجاوز 30 شيقلاً، وذلك اعتمادًا على مواد التجميل التجارية وسذاجة الزبونة الشابة التي تُسلّم رأسها للكوافيرة وتُبْهجُ بأي (لوك) أشبه بقوسِ المطر".

تجاهل الإطلالات الصارخة وغضّ الطرف عن احتراف الإطلالات الملكيّة وقلة الخبرة سيقود حتمًا إلى سماع صوت الأقفال الفولاذية على أبواب الصالون إلى الأبد

وانتقالًا إلى المحطة قبل الأخيرة من مسح "مهرجان الألوان" وإزالة الـ100 دبوس من وصلة الشعر في بيت العريس؛ فإن قاعات الأفراح تتحول إلى مرتعٍ للهمس واللمز والتعليقات القيّمة أو الساخرة على "ميك آب" هذه العروس أو تلك التي تستعد لأن تكون كذلك صيفًا.

غدير الخالدي، التي تتأهّب لنقل صالونها الجديد قرب أسوار الجامعات وسط المدينة، تقول إن المُسوّق الحقيقي لصالونات التجميل هي تلك القاعات. وتقول لـ"الترا فلسطين": "فتعليقات الفتيات على ميك آب الأخريات يُسيطر بنسبة 100 في المئة على جوّ الحوار؛ فمكياج نادية من صنع صالون فلانة، وتسريحة ياسمين من صالون فلانة، أما لانا فلا يمكن أن تكون رسمة عيونها الذئبية إلا على يديّ الكوافيرة علتانة".

وبحسب الخالدي التي تستعد للالتحاق بدورة تجميل محترفة في القاهرة؛ فإن تردّد اسم الصالون في صالات الأفراح والاستمرار بالالتحاق بالدورات خارج البلاد وتعلّم المزيد من "اللوكّات" يعني ضمان استمرار العمل.

ووفق ما أجمعت عليه الكوافيرات؛ فإن تجاهل الإطلالات الصارخة وغضّ الطرف عن احتراف الإطلالات الملكيّة وقلة الخبرة سيقود حتمًا إلى صمت الجلبة خلف الستار المُسدل، وسماع صوت الأقفال الفولاذية على أبواب الصالون إلى الأبد.