أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.56
سعر الصرف 3.59
الدينار الأردني
سعر الشراء 5.02
سعر الصرف 5.08
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 4.03
سعر الصرف 4.06
ملعقة في حقيبة مدرسية

ملعقة في حقيبة مدرسية

من الذي يجعل خلوَّ حقيبةٍ مدرسيةٍ من ملعقة (توتيا) لتلاميذ أول السبعينيات في مخيم الجلزون أمرًا مستحيلاً؟ كان البرغل الساخن دراجة هوائية يهديها لنا عمٌ ثريٌ مغترب، أما اللبنة الحامضة جدًا فكانت واجبًا  بيتيًا  صعبًا ومملاً، فيما كان زيت السمك معلم حساب يسأل أسئلة غير مفهومة، لا يبتسم ولا يتحرك دون عصا، أما كرات اللحم  المذهلة (الكبّة) فكانت عيدًا حقيقيًا، بملابس جديدة وحلوى وقروش، أما (فاصوليا الحب) الخرافية فكانت مظاهرة ضد الاحتلال أجمل ما في نتائجها أو علاماتها الخروج من المدرسة، لا يمشي تلميذٌ من المخيم في تلك الفترة دون ملعقة، هل كانت  لغة مؤقتة نتفاهم فيها مع الوجود الغريب لحياتنا، أم  جرحًا  مقنَّعًا بوردٍ أو بعطر،  أكانت هوية  جسدٍ أم مقررًا مدرسيًا أم زيًا مدرسيًا أم مسكناتٍ لثورة؟.

الطباخون كانوا أنبياء للسعادة، ورسلاً للأمان والحب، يقفون مبتسمين وضاحكين على أبواب المطعم، يضبطون الصفوف ويحاولون تهدئة ثورة بطون الطوابير

 كانت الكتب والدفاتر والأقلام والممحاه والمسطرة والفرجار والملعقة، هي محتويات حقائبنا في تلك الأيام، وإن خلت حقيبة طفل من كتابٍ أو مسطرة أو قلمٍ  كان يبدو هذا الخلو مفهومًا أو من السهل تبريره بنسيانٍ أو كسل، أما إذا غابت الملعقة  في حقيبة تلميذ فكان الكل من المدير والمدرسين والزملاء وحتى الآذن يصيح في وجهه: ولك ين ملعقتك يا مجنون؟.

من الصعب انتزاع الصورة من الرأس مهما  تقدم هذا الرأس في السن واختلطت وتداخلت فيه الصور: يرن جرس الحصة الثانية معلنًا بداية الفرصة الأولى، فتندفع من نوافذ وأبواب الصفوف سيولٌ من التلاميذ إلى ساحة  المدرسة،  وبعد بضع خطواتٍ مسرعةٍ فقط، كان التلاميذ ينفجرون من بوابة المدرسة التي تقع أول المخيم، متدافعين آكلين بأقدامهم المجنونة شارع  المخيم المنحدر بأقصى فراغ معداتهم الصغيرة، تجاه مطعم وكالة الغوث في المخيم.

اقرأ/ي أيضًا: مات المعلم الذي صار صديقي

الطباخون كانوا أنبياء للسعادة، ورسلاً للأمان والحب، يقفون مبتسمين وضاحكين على أبواب المطعم، يضبطون الصفوف ويحاولون تهدئة ثورة بطون الطوابير، من ينسى ملائكة المخيم هؤلاء بزيهم الأبيض؟ أبو صابر القطامي  واسحق زوبعة  وأبو صالح  خداش: جميل عثمان وأبو إسماعيل خروب، وعبد الحفيظ أبو نضال وأبو صبحي خرمة وأبوفتحي صباح وجودت الزق وأبو محمود العيشاوي وأحمد مسعود صافي ونوال عرابي؟ طباخو المطعم هؤلاء كانوا أعمامنا وآباءنا وأخوالنا، شخصيًا كان لي عم منهم، هو عمي إبراهيم (أبو صالح)، كان عمي إبراهيم مسؤولاً وحيدًا عن غرفةٍ ملحقةٍ بالمطعم، هذه الغرفة أسميتها فيما بعد بيت روحي، وبهجة معدتي، هناك كان عمي الصموت باستمرار، يجلس بلباسه الأبيض، قرب طنجرة (توتيا) ضخمة، تفيض بكرات اللحم اللذيذة (الكبّة)، من المفروض أن يحصل كل طفل منها على حبتيّ كبة، وكان من  الصعب جدًا إقناع معدتي المتطلبة بأن حبتيّ كبة تكفيانها، كنت ألتهم الحبتين في ثوانٍ خارج غرفة عمي، وأجلس على حجرٍ مراقبًا زملائي التلاميذ وهو يدخلون بانتظام غرفة العم، ويحصلون على حصصهم، كان خيالي يشتغل بشكلٍ شرير، أتذكر أني نظرت إلى  نافذة الغرفة وفكرت في إمكانية التسلل من خلالها  ليلاً إلى غرفة العم لالتهام حباتٍ أخرى متخلفةٍ أو زائدةٍ أو منسيةٍ هنا وهناك، ثم خطر في بالي أن أطلب من أبي أن يخبر عمي بحاجتي إلى أكثر من حبتين، وفكرت في حلٍ آخر، أن أعرض على أحد الزملاء صفقة يعطيني فيها حصته من كرات اللحم وأعطيه أنا حصتي من صحن البرغل أو الفاصوليا، ومرة فكرت في صفقة أخرى مع تلميذٍ آخر، أن أكتب واجباته البيتية مقابل حصته، أما أخطر الحلول فكان أن أخطف حبة من يد تلميذٍ وأطير بها إلى أزقة المخيم وليحدث بعدها ما يحدث، لم أنفذ أي فكرة من أفكاري هذه، كنت جبانًا أو كنت خجولاً،  أو كنت الاثنين معًا، بقيت واقفًا  قرب باب غرفة الروح محاولاً أن ألفت انتباه عمي، لوجودي علّه يرمي لي بحبّة.

شو بدك يا عمي إنت مش أحذت حصتك؟

آه يا عمي ابراهيم أخذت حصتي أنا بستنى في صاحبي بس.

خلت حقائبنا من الملاعق، استبدلناها بحجارةٍ نخبئها بين الدفاتر، ثم نخرج من المدرسة لنرشق بها باصات أعداء الحياة وهي تمر من الشارع

مات معظم الملائكة وخلا المخيم من الأنبياء وحراس الطوابير الطيبين، سيل التلاميذ لم يعد سيلاً، صار أفرادًا متناثرين يمشون ببطءٍ نحو كافتيريا المدرسة ليلتهموا ساندويشات الفلافل اليابسة، خلت حقائبنا من الملاعق، استبدلناها بحجارةٍ نخبئها بين الدفاتر، ثم نخرج من المدرسة لنرشق بها باصات أعداء الحياة وهي تمر من الشارع، توقفت وكالة الغوث عن الوجبات الساخنة، أُغلِقَ المطعم إلى الأبد، هُدِمَت بنايته، مات عمي إبراهيم، ما زلت أحدث الناس فخورًا عن عدالته وصرامته الرائعة في التوزيع، وبينما كان يموت بين يديّ أبي الباكيتين صريع سرطان الرئة، قبل عشر سنواتٍ أمسك يدي، شدها بقوته المنهارة، وقرّب أذني من فمه:

إنت لسه معلم مدرسة يا عمي؟

-آه يا عمي لسه.

 -اوع يا عمي تحط علامات زيادة لحدا حتى لو كان ابن أخوك او ابن قريبك.


اقرأ/ي أيضًا: 

ابنة وزير الخارجية

زقاق المخيم لن يضج بفطبول محمد أيوب بعد الآن

25915