09-أبريل-2024
حكومة محمد مصطفى

أدت الحكومة الفلسطينية 19 برئاسة محمد مصطفى اليمين الدستورية أمام رئيس السلطة محمود عباس يوم الأحد الماضي في مقر المقاطعة بمدينة رام الله.

ثمة علامات استفهام وأسئلة عديدة لا بد من طرحها حول الحكومة الجديدة شكلًا ومضمونًا بما في ذلك الخلفية أو البيئة التي أبصرت النور خلالها.

فلسطينيًا، بدت السلطة طوال الأشهر الأولى للحرب الإسرائيلية ضد غزة منفصمة وبعيدة عن الواقع، عاجزة عن التأثير على الحرب ومجرياتها وأفاقها، كما عن حماية شعبها في غزة الذي أبعدت نفسها عنه لسنوات طويلة

في السياق الفلسطيني، طرحت ومنذ بداية الحرب مطالب مركزية من جهات سياسية عدة شملت تشكيل حكومة تكنوقراط لإدارة الأوضاع في غزة بعد الحرب ضمن تصوّر وطني عام، وسلة كاملة تتعلق بترتيب البيت الداخلي وإجراء الانتخابات متعددة المستويات، وإعادة بناء منظمة التحرير كإطار قيادي مرجعي أعلى للشعب الفلسطيني في أماكن تواجده المختلفة.

تم التطرق كذلك، ولو بشكل عام، إلى المهام الأساسية الإدارية والاقتصادية والاجتماعية للحكومة في سياق الفصل مع الملفات السياسية المفترض أنها بعهدة منظمة التحرير.

في المقابل، وضمن رؤية وتصورات اليوم التالي للحرب، طرحت الولايات المتحدة بالتنسيق مع قوى عربية وأوروبية ودولية فكرة إصلاح وتنشيط السلطة الفلسطينية لتمكينها من العودة لإدارة غزة بمرحلة ما بعد الحرب، مع صعوبة وحتى استحالة استمرار حماس بتولي السلطة هناك، والشعور باستحالة استبعادها من المشهد الفلسطيني بشكل عام.

فلسطينيًا، بدت السلطة طوال الأشهر الأولى للحرب الإسرائيلية ضد غزة منفصمة وبعيدة عن الواقع، عاجزة عن التأثير على الحرب ومجرياتها وأفاقها، كما عن حماية شعبها في غزة الذي أبعدت نفسها عنه لسنوات طويلة، تمامًا كما تبدو عاجزة كذلك عن حماية الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية على بعد أمتار قليلة من المقاطعة نفسها (مقر الرئاسة) في رام الله.

كانت ولاية الرئيس محمود عباس القانونية قد انتهت في العام 2009، ويفترض أن يقوم -حسب روح الدستور المؤقت- بتصريف الأعمال إلى حين إجراء الانتخابات، هذا ناهيك عن تآكل شرعيته ومصداقيته خلال السنوات الماضية قبل الحرب، إثر فشل مشروعه السياسي التفاوض ثم التفاوض ثم التفاوض، وتوحّل وتعثر أوسلو – هو أحد عرابي الاتفاق - وعجزه عن التحوّل إلى جسر نحو إقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة ضمن حدود حزيران/ يونيو 1967.

فَشِلَ محمود عباس كقائد للسلطة والمنظمة في بناء مؤسسات وطنية جدية ونزيهة، كما في توفير حياة كريمة للفلسطينيين وحمايتهم من اعتداءات وجرائم جيش الاحتلال والمستوطنين، ناهيك عن الفشل المركزي في تحقيق أمالهم الوطنية بالسيادة والاستقلال وتقرير المصير.

لم ينصت محمود عباس كذلك إلى المطالب المشروعة بالتغيير حتى بعد حرب الإبادة ضد غزة واستغلالها من قبل الاحتلال لفرض المزيد من الوقائع التهويدية والاستيطانية على الأرض بالضفة الغربية، وراوغ متشبثًا بالسلطة بينما بدا شكلًا وكأنه يتساوق مع تلك المطالب ولكن مع تناقض جدّي وكامل في الجوهر.

دوليًا، وفيما يتعلق بترتيبات اليوم التالي للحرب، دعت الولايات المتحدة بدعم عربي ودولي إلى عودة السلطة المنشطة المتجددة لإدارة الأوضاع في غزة ضمن أفق وسياق سياسي يتضمن شق طريق لا رجعة عنه نحو الدولة الفلسطينية -انطلاق القطار حسب تعبير الرئيس الأمريكي جون بايدن- وتطبيع بين الدول العربية واسرائيل وبالطبع بعد وقف نهائي لإطلاق النار في غزة.

إذن في السياق الفلسطيني، طرحت فكرة تشكيل حكومة التكنوقراط ضمن حزمة شاملة وفي إطار توافقي ووطني عام ناتج عن حوار شفاف جدي وعميق ومسؤول، وهذا لم يحدث للأسف، حيث قام محمود عباس بتكليف محمد مصطفى بتشكيل الحكومة بشكل أحادي ودون إجراء أي حوار أو مشاورات وطنية ضرورية ولا غنى عنها، ومن هذه الزاوية بدا التكليف ممن لا يملك لمن لا يستحق.

لا يمكن الحديث أيضًا عن إصلاح جدّي ونزيه مع الحكومة الجديدة، كون محمد مصطفى إداري وتكنوقراطي جيد ولكنه بدون رؤى سياسية كما كان الحال مع سلام فياض مثلًا، علمًا أن محمد مصطفى عمل طوال سنوات كموظف تحت رعاية محمود عباس ويملك مصالح وعلاقات عمل وثيقة مع أبنائه وشركاتهم العابرة للحدود والقارات، رغم محدودية السلطة وأزماتها المتعددة، بما في ذلك العجز عن توفير أدنى مقومات الحياة الكريمة لمواطنيها والرواتب الكاملة لموظفيها في مواعيدها المقررة.

محمد مصطفى عمل طوال سنوات كموظف تحت رعاية محمود عباس ويملك مصالح وعلاقات عمل وثيقة مع أبنائه وشركاتهم العابرة للحدود والقارات

منذ التكليف وضع محمد مصطفى نفسه تحت عباءة محمود عباس، في قبول خطاب التكليف وتشكيل الحكومة ومراسم قسم اليمين ويكاد رئيس الحكومة يخرج عن طوره لتأكيد ولاءه وتبعيته لرئيس السلطة.

بتفصيل أكثر، وفى سياق التنظير للحكومة يتم الحديث عن مرجعية منظمة التحرير وبرنامجها السياسي مع إقحام فظ وفجّ وغير ضروري لقصة الالتزامات الدولية، رغم أنها أي الحكومة غير مضطرة لذلك أبدًا، ولكنها اعتمدت ذلك للمناكفة وتعميق الانقسام مع حركة حماس وتبرير غيابها عن سيرورة تشكيل الحكومة من الألف إلى الياء.

جرى الحديث كذلك وبشكل إنشائي عن مهام إدارية واقتصادية واجتماعية للحكومة في الضفة وغزة وتحديدًا هذه الأخيرة بمرحلة ما بعد الحرب باعتبارها المهمة المركزية للحكومة.

ورغم ذلك، فقد تم تمثيل غزة بثمانية وزراء فقط من أصل 23 في حكومة بدت متضخمة ومترهلة في سلطة تعيش أزمة بل أزمات معقدة وعميقة ومركبة وبنيوية، وكان يفترض أن تكون مصغرة وحيوية أكثر، ولو من باب توفير النفقات.

تمثل غزة تقريبًا  45 بالمائة من التعداد العام للمواطنين، لكنها نالت أقل من ثلث عدد مقاعد الحكومة، رغم أنها تمثل الأولوية القصوى أو يفترض أنها كذلك بعد جريمة الإبادة الإسرائيلية بحقها.

وعليه، لا يمكن الحديث عن حضور قوي لغزة في الحكومة، وأن مهامها الأساسية المركزية تتمثل بالإغاثة وإعادة الإعمار فيها وإعادة توحيدها مع الضفة الغربية.

في سياق العملية كلها-تكليفًا وتشكيلًا- سمعنا العبارات الممجوجة عن الالتزام ببرنامج الرئيس رغم أنها غير مضطرة لذلك، بينما بدت المهام ضبابية وعامة وفضفاضة جدًا، وشملت مصطلحات مثل الإصلاح، إعادة الاغاثة، إعادة الإعمار، توحيد المؤسسات.

جاء الحديث عن الانتخابات متأخرًا وهامشيًا جدًا، علمًا أنها تمثل المدخل لحل كل الأزمات أو جلّها دون التأكيد على الحزمة الكاملة، مع التأكيد -حق يراد به باطل- على أولوية إجرائها في القدس حسب تعبير محمود عباس، في لغم يضعه عباس متعمدًا للتهرّب ولتمكين إسرائيل من وضع الفيتو عليها، وللتهرّب من الانتخابات بدلًا من خوض المعركة لفرضها رغمًا عن الاحتلال، علمًا أنه أجرى الانتخابات المحلية قبل ثلاثة أعوام بدون القدس لحاجات تجميلية وتبييض وشدّ وجه السلطة وتبييض صفحتها أمام داعميها الغربيين.

إلى ذلك كله لم تنل الحكومة الجديدة الثقة والشرعية من السلطة التشريعية في ظل إحكام محمود عباس وهيمنته عليها وعلى كل السلطات، التنفيذية وحتى القضائية مع تحكّمه التام بمجلس القضاء الأعلى، وهو أمر لا يستحقه رئيس فاشل منتهي الصلاحية، ناهيك عن افتقاده الكاريزما والقدرات اللاازمة لقيادة شعب شاب فتي، حيّ وحيوي مثل الشعب الفلسطيني.

الشاهد والنتيجة أننا أمام حكومة خداج تبدو متماهية مع الأجندة الفلسطينية لترتيب البيت الوطني ولكن شكلًا فقط كون محمد مصطفى من متن المنظومة التى حكمت السلطة منذ أوسلو وأوصلت القضية الفلسطينية إلى الأوضاع الكارثية والمأساوية الحالية.

وبالعموم، بدت الحكومة تعبيرًا عن الأزمة لا جزءًا من الحل مع التحايل على المطالب الدولية بالإصلاح، حتى لو كانت حقًا يُراد به باطل، حيث رفض عباس وتهرّب من تجرّع الكأس الذي سقى منه الشهيد ياسر عرفات عند ابتداع منصب رئيس الوزراء بالسلطة قبل عقدين تقريبًا.

وفي كل الأحوال، يرفض محمود عباس حقيقة أنه وصل إلى نهاية الطريق، خاصة أن الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين تريد رحيله فورًا، ولكنه للأسف لا يمتلك شجاعة الشهيد أبو عمار لمواجهة الاحتلال، ولا شجاعة أحمد الشقيري للتنحي، أو حتى البقاء كرئيس شرفي وتمكين الجيل الشاب –محمد مصطفى ليس بالتأكيد شابًا-من تولي زمام القيادة بشكل هادىء وسلس.

تحمل حكومة محمود عباس التي يرأسها محمد مصطفى فيروس مرضها في داخلها، بغياب النظرة الوطنية الجامعة المعبرة عن الشعب الشاب الحيّ والحيوي

أخيرًا، وقبل ما سبق وبعده فلا بد من التذكير بالقاعدة النظرية، القاعدة الصحيحة القائلة إنه في أنظمة وسلطات الاستبداد يمتلك الرئيس ويتحكّم بكل السلطات بينما يبدو رئيس الوزراء أقرب إلى القناع أو الذراع في أحسن الأحوال وفي أسوأها كيس ملاكمة لتلقي الضربات والانتقادات بدلًا عن صاحب القرار الحقيقي.

أما العبث والمشهد السوريالي فيتمثل بتعيين مستشارين للرئيس في سلطة صغيرة مفلسة وفاشلة ومترهلة بحيث تتشكل حكومة ظل من مقربي ومساعدي عباس لتوجيه الحكومة العلنية بصفتها تضم تكنوقراط غير مسيّسين.

وهي على الأغلب لن تعمّر طويلًا ولن تكون قادرة على الإقلاع وإنجاز مهامها وحل معضلة غزة وإعادة بنائها، بدون توافق وطني حقيقي مع أولياء الدم هناك. وبالعموم تحمل حكومة محمود عباس التي يرأسها محمد مصطفى فيروس مرضها في داخلها، بغياب النظرة الوطنية الجامعة المعبرة عن الشعب الشاب الحيّ والحيوي.