أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.57
سعر الصرف 3.83
الدينار الأردني
سعر الشراء 5.27
سعر الصرف 5.42
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 4.21
سعر الصرف 4.24
آثار غزة.. من يمنع التخريب والسرقات؟

آثار غزة.. من يمنع التخريب والسرقات؟

667 مشاهدة
تجريف تل السكن ونفايات في الموقع – تصوير محمد عابد

وسط قطاع غزة، تحديدًا إلى الغرب من مدينة دير البلح مقابل شاطئ البحر، يتربع موقع تل الرقيش الأثري. آثار الجرافات التي نهشت الكثير من رماله ما زالت واضحة، لا حراسة في المكان ولا سياج يحيط به، ولا حتى يافطة تقول إننا الآن داخل موقع أثري كشفت بعثة آثار بريطانية عام 1940 أسفله مستعمرة تعود للعهد الفينيفي، فهو يبدو الآن كأي تلٍ عادي.

يقول أحد جيران الموقع محمد الحسنات: "المكان أصبح خرابًا، ولولا أننا نعرف أنه أثري لما علم به أحد"، موضحًا أنه يتعرض للسرقات بسبب غياب الحماية، وأحيانًا يعثر مرتكبو الاعتداءات على أشياء أثرية، مثل الفخار وما يشبه الأسلحة، ويستولون عليها، فيما يعجز جيران الموقع عن منعهم فهم لا يملكون صلاحية استخدام القوة لأجل ذلك.

80% من المواقع أثرية في قطاع غزة بدون حراسة ولا إشارة إلى قيمتها التاريخية، ما يجعلها عرضة للسرقات والتجريف علنًا

الحال مشابه في موقع دير ياسين الأثري، غرب النصيرات وسط قطاع غزة، الذي تعرض للتجريف بداية العام الجاري، ما دفع بعض المواطنين للتصدي لصاحب الجرافة. يقول شاهد عيان إن دير ياسين كان قديمًا يحظى بحماية أمنية، لكنه منذ سنوات لا تتوفر له لا حماية ولا حتى إشارة إلى كونه موقع أثري.

أين الحماية؟ سألنا فضل العطل، الباحث ومختص الآثار، الذي تنهد وهو ينهي ترميم قطعة أثرية كانت بيده، ثم قال: "80% من المواقع الأثرية في قطاع غزة بلا حماية، نحن نتحدث عن غزة القديمة التي يعود تاريخها لأكثر من 3500 سنة، وتضم مواقعًا غاية في الأهمية".

اقرأ/ي أيضًا: الجرافات تنهش الفلسطيني الأول في "تل السكن"

وأثناء حديثه لـ الترا فلسطين، أشار بيده إلى قطعة أثرية قائلًا إنها تخصّ حضارة قرطاج التونسية؛ عُثر عليها في غزة، ثم عاد ليؤكد أن المواقع الأثرية لا يتوفر لها حماية أمنية ولا أسوار أو يافطات، ورغم أهمية ذلك، فإن هذه المشكلة تنطبق على المواقع المطمورة التي لم يتم التنقيب فيها بعد، وبعض المواقع الظاهرة.

وطرح العطل مثالًا على ذلك بموقع تل العجول الذي يعود إلى العصر البرونزي الوسيط، وموقع البلاخية، وموقع دير ياسين وتل السكن، وغيرها من المواقع التي تتعرض للتعديات بشكل مستمر.

قبل أربع سنوات، أنشأت حكومة حماس في قطاع غزة، مباحث الآثار، لتعمل على متابعة المواقع الأثرية وتوفير الحماية لها، لكن هذه الدائرة لا يتوفر لها سوى 20 موظفًا ومركبة واحدة وقاعدة بيانات غير محدّثة، وفق حسين أبو سعدة مدير مباحث الآثار.

ويقول أبو سعدة لـ الترا فلسطين، إن الآثار تعاني من الإهمال منذ ما قبل الانقسام؛ وعند وجود هذه الدائرة بدأت بموظَفين اثنين فقط، والآن يعملون بصعوبة بالغة بسبب إهمال المواقع الأثرية وعدم تحديدها بشكل جيد.

مباحث الآثار في غزة أنشأتها حكومة حماس، لكنها لا تملك إلى مركبة واحدة و20 موظفًا وقاعدة بيانات غير محدثة

ويضيف أنه من الواجب تأمين كل المواقع وتوفير الشرطة لها، بما في ذلك المواقع التي لم يتم التنقيب فيها؛ لكنه يؤكد أن ما يحدث عكس ذلك، فهذا العدد القليل من الضباط يعملون في القطاعات السياحية والأثرية والثقافية، ويُفرض عليهم دوامًا مضاعفًا لتغطية العجز، بل إنهم يستخدمون دراجاتهم النارية الشخصية.

اقرأ/ي أيضًا: فسيفساء قصر هشام تخرج من تحت الرمال

ويشير إلى أن هؤلاء الضباط حصلوا على عدد من الدورات التدريبية في مجال السياحة والآثار، وهم من حملة الشهادات العليا؛ ويتعاملون مع الآثار من منطلق الإيمان الشخصي بضرورة حمايتها، لكن هذا لا يعني أن الدائرة ليست بحاجة إلى المزيد، فهي تحتاج نحو 100 موظف، "كي نقول أن الوضع جيد" حسب تعبيره.

عودة إلى تل السكن؛ الموقع الأثري الذي أحدث ضجة خلال الأشهر الماضية، عندما عمدت سلطة الأراضي إلى منح أجزاء منه لموظفين كبار عوضًا عن مستحقاتهم المالية. وزارة السياحة رفضت توزيع هذه الأراضي التي تعرضت للتجريف في ظل عدم وجود أي حماية للموقع، تم الحديث لاحقًا عن تسييج ما تبقى من أراضي الموقع ووضع يافطة.

لكن زيارة "الترا فلسطين" إلى المكان كشفت أن التسييج شكلي جدًا، فالسور يغطي الجانب الغربي من الموقع فقط، وهو ضعيف ومعظمه سقط على الأرض، حتى إن راعي الغنم مر بقطيعه إلى أعلى الموقع، كما يصعد الصغار كعادتهم يوميًا للعبث في رماله وكأن شيئًا لم يحدث.

وزارة السياحة أعلنت تسييج موقع تل السكن الأثري بعد جدل كبير، لكن التسييج في الواقع شكلي ولا يوفر أي حماية من الصغار ورعاة الأغنام

ولا تزال أزمة انتقال الحكم من حركة حماس إلى حكومة الوفاق الفلسطيني تمثل عقبة تعيق تنفيذ شيء عملي على أرض الواقع، ليبقى تل السكن نموذجًا يوضح صعوبة ما وصل إليه الحال من غياب الحماية لأكثر من 200 موقع أثري في قطاع غزة.

اقرأ/ي أيضًا: الظاهرية.. غنية بالآثار فقيرة بالزوار

تدرك وزارة السياحة ذلك جيدًا، ويعترف به جمال أبو ريدة، مدير السياحة والآثار بالوزارة، ويقول لـ الترا فلسطين: "ليست كل المواقع مؤمّنة ولا عليها حراسات، هناك تعديات على مواقع أثرية ولا ننكر، لكن الوضع الحالي أفضل من السابق".

"الوزارة ليس لديها موازنة ولا إمكانيات"، بهذه العبارة برر أبو ريدة عدم توفر الحماية لنحو 200-300 موقع أثري وبقائها بلا أسوار ولا يافطات، فهذه الإجراءات تحتاج على الأقل إلى 60 ألف دولار لكل موقع، مع الإشارة إلى أن هناك مواقع أثرية، وهناك بيوت، وهناك مساجد أثرية، "بمعنى أن بعض هذه الأماكن لا تحتاج حماية" حسب أبو ريدة.

وألمح أبو ريدة إلى أن هناك مشكلة في التواصل مع وزارة السياحة والآثار في رام الله، وقال إن الوزيرة زارت غزة مرة واحدة، بينما لم يشرِ إلى أي تواصل لاحق، ما يطرح تساؤلًا حول من هو المسؤول عن الآثار في قطاع غزة؟

هناك مشكلة في التواصل بين غزة ورام الله داخل وزارة السياحة، وكل طرف يحمل مسؤولية حماية الآثار للآخر

الترا فلسطين هاتف وكيل الوزارة في رام الله علي أبو سرور، الذي زار غزة لمرتين منذ الاتفاق على تسلم الحكومة مهامها في تشرين الأول/أكتوبر 2017، فكان رده بأن "هناك عقبات كثيرة تواجههم"، مضيفًا، "نحن غير قادرين على السيطرة على الوضع في غزة، ما قدرنا نتمكن، حتى تل السكن خضنا من أجله معارك ولم يحصل شيء، وبعد تسييج الموقع تم إزالة السياج رغم الوصول إلى اتفاق رضائي مع الموظفين الذين تم توزيع الأراضي عليهم".

وللدلالة على عدم تقصير وزارة السياحة في الضفة الغربية في مهامها، قال أبو سرور إن آلاف المواقع في الضفة تحت المتابعة والسيطرة التامة، وتعمل الوزارة حاليًا على تطوير نظام الحماية من خلال برنامج محوسب يتم تدريب مجموعة من الشبان على استخدامه في الأردن، وسيتم تنفيذ تدريب مماثل لموظفين من قطاع غزة لاحقًا.

ويعتمد هذا النظام، وفق أبو سرور، على توثيق المواقع الأثرية على الكمبيوتر، وبالتالي إخضاعها للمراقبة على مدار الساعة من خلال ربطها بـ"ستالايت"، دون أن ينسى التأكيد مجددًا على أن "عدم تمكين الحكومة" يعطل عمل الوزارة في القطاع، مضيفًا، "نحن نعمل حاليًا على إيجاد بدائل".

وكان الترا فلسطين كشف في تحقيق سابق أعدته الزميلة لارا كنعان عن إهمال مواقع أثرية هامة في نابلس، وتسليم آثار إلى شخصيات معروفة يقومون باستخدامها في متاحف خاصة، هذا إضافة إلى إهمال مواقع أثرية عديدة بعضها تحوّلت إلى مكبات نفايات.


اقرأ/ي أيضًا:

فيديو | جولة في غزة.. تدوين الآثار سوشليا لحمايتها

مار سابا.. قصة دير محرم على النساء

علماء آثار يتساءلون عن حقيقة علمانية إسرائيل