26-أكتوبر-2022
عرين الأسود

ثمة هيبةٌ ووَجَلٌ في وصية الشهيد. كلماتٌ مرتجلة تُخط في مواجهة الموت بأن الشهادة لا يدركها سوى الشجعان. فلسفةٌ لايدركها سوى من خطى تلك الخطوات المقدسة نحو طريق آمن وقنع به. هي وصايا الشهداء التي تهزنا إنسانيًا ووطنيًا حتى نصبح متكاتفين مع ذلك المقدام.

بدأت الشرارة الأولى التي أنعشت صورة البطل الفلسطيني في مدينة نابلس ظهر يوم الثلاثاء في الثامن من شباط/فبراير الماضي، حين اغتالت وحدة خاصة إسرائيلية ثلاثة "مطلوبين"، هم: أدهم مبروكة ومحمد الدخيل وأشرف المبسلط، في منطقة المخفية

"أنا استشهدت يا شباب.. أنا بحب أمي.. حافظوا على الوطن من بعدي.. وبوصيكم بحياة عرضكم ما حدا يترك البارودة.. أنا هيني محاصر ورايح استشهد". هذه الكلمات العفوية البسيطة كانت وصية الشهيد إبراهيم النابلسي التي سجلها في لحظاته الأخيرة في مواجهة الموت، خلال اشتباك مع قوات الاحتلال التي حاصرته في مدينة نابلس، في اليوم التاسع من شهر آب/أغسطس الماضي، برفقة الشهيد إسلام صبوح الذي سجل أيضًا مقطعًا صوتيًا قال فيه: "ياشباب ادعولنا.. أخوكم إسلام أبو جمال. ادعولنا ياشباب احنا استشهدنا ادعولنا".

بدأت الشرارة الأولى التي أنعشت صورة البطل الفلسطيني في مدينة نابلس ظهر يوم الثلاثاء في الثامن من شباط/فبراير الماضي، حين اغتالت وحدة خاصة إسرائيلية ثلاثة "مطلوبين"، هم: أدهم مبروكة ومحمد الدخيل وأشرف المبسلط، في منطقة المخفية، بدعوى مسؤوليتهم عن عمليات إطلاق نار على مستوطنات ونقاط لجيش الاحتلال ومركبات إسرائيلية.

وبعد استشهاد الدخيل ومبروكة والمبسلط، استمر الاحتلال بمحاولات عدة عن طريق وحدات المستعربين الخاصة لاغتيال رفيقهم الرابع إبراهيم النابلسي. بينما كان يتحدث في ذات الوقت عن جهود لمنع تحول نابلس إلى جنين ثانية، ويوجه دعوات إلى السلطة الفلسطينية لتنشيط أجهزتها الأمنية في نابلس ومنع تعاظم العمل المقاوم فيها.

ومع فجر يوم الأحد (24 تموز/يوليو) استشهد المقاومان عبد صبح ومحمد العزيزي "أبو صالح"، خلال محاصرة منزل العزيزي في حي الياسمينة في البلدة القديمة بعد خوضهما اشتباكًا عنيفًا. ثم بعد 16 يومًا من ارتقائهما، تحديدًا (9 آب/أغسطس) اغتال الاحتلال إبراهيم النابلسي وإسلام صبوح، ليبدأ تداول فيديوهات وصور للنابلسي خلال مشاركته في اشتباكات مع جيش الاحتلال، ليصبح الشاب -الذي تردد اسمه كثيرًا قبل اغتياله وأكثر بعده- أيقونة أعاد الأمل بصورة المناضل الذي ظل يقاوم حتى آخر رمق.

وفي الذكرى الأربعين (يومًا) لاستشهاد محمد العزيزي، دعا أصدقاؤه إلى التجمع بعد صلاة العصر في نابلس. مساء ذلك اليوم، 2 أيلول/سبتمبر، ظهر مجموعة من الشبان يرتدون ملاس سوداء ويربطون قطعة من القماش الأحمر فوق فوهة بنادقهم، في إشارة أنهم لا يطلقون الرصاص في الهواء، بل صوب الاحتلال فقط، وأن لا رصاصة ستخرج هدرًا. حينها، أُعلن عن إطلاق مجموعة "عرين الأسود"، وقدموا الشهيد محمد العزيزي كمؤسس للمجموعة.

أعلن مقاتلو "عرين الأسود" أنهم سيتبعون وصية الشهداء ولن يلقوا السلاح أبدًا ولن يتوقفوا عن النضال حتى الشهادة، وأن الرصاص لن يخرج من سلاحهم إلا لاستهداف الاحتلال، وأي إطلاق نار على غير هذا الهدف معناه الانسحاب من المجموعة، وأدانوا أي استغلال للتجار بحثًا عن المال بذريعة دعم المجاهدين.

أعلن مقاتلو "عرين الأسود" أنهم سيتبعون وصية الشهداء ولن يلقوا السلاح أبدًا ولن يتوقفوا عن النضال حتى الشهادة، وأن الرصاص لن يخرج من سلاحهم إلا لاستهداف الاحتلال

ذكَّرت مجموعة "عرين الأسود" في يوم إعلانها بالشهداء أحمد ياسين وفتحي الشقاقي وأبو علي مصطفى، والرئيس الراحل ياسر عرفات، وأعلنوا أن المعركة الموحدة تحت راية (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ضد الكيان الزائف.

لاحقًا، توالت بيانات مجموعة "عرين الأسود" على قناتها تلغرام، وظهرت شعبية المجموعة القوية في الاستجابة السريعة لدعواتها إلى فعاليات شعبية: بدءًا من الإضراب العام تضامنًا مع مخيم شعفاط، ثم إشعال إطارات السيارات في الشوارع للتمويه على جيش الاحتلال أثناء اقتحامه لـ"قبر يوسف" في نابلس، مرورًا بالدعوة إلى التكبير على أسطح المنازل. هذه الحاضنة الشعبية كانت مبعث قلق للاحتلال، ليس في ظل الاستجابة الشعبية وحسب، بل بعد انضمام الآلاف في وقت قياسي إلى قناة "عرين الأسود" على تلغرام، بعد ما رفضت إدارة التطبيق طلبًا إسرائيليًا لإغلاق القناة.

في حديث لـ الترا فلسطين، قبل يومين من استشهاده، قال قائد "عرين الأسود" وأحد مؤسسيها، وديع الحوح، إن من أهم الأسباب التي جعلت مجموعة "عرين الأسود" تحظى بالتفاف شعبي هو نبذها الفصائلية والحزبية التي أتعبت شعبنا منذ النكبة، إضافة إلى "الوعي" الذي يتمتع به مقاتلوها، فهم "يهتمون بحرب الثقافة أكثر من السلاح". وتابع: "لا يجوز لحامل البندقية أن يكون غير مثقف، فحربنا معهم هي حرب وعي".

وديع الحوح لـ الترا فلسطين: مقاتلو عرين الأسود يهتمون بحرب الثقافة أكثر من السلاح. لا يجوز لحامل البندقية أن يكون غير مثقف، فحربنا معهم هي حرب وعي

وردًا على قلق الاحتلال من هذه الحاضنة الشعبية، قال الحوح: "فليخاف العدو، الأجدر به أن يخاف أكثر مما نجهز له من قناة على التيلجرام وإن بيانات العرين تكتب بمقدار وعي وتقدير هذا الشعب الباسل".

وأضاف: "شعبنا تعود على الحصار والعقاب وإن الاستثناء لشعبنا أن يعيش حياة مستقرة كريمة. وإن هذه الأحداث قد كشفت للواهمين بسلام اقتصادي واستقرار أن هذا عدو غادر بلحظات يعيدنا إلى الوراء لعشرات السنين ولكن الاحتلال واهم كل ما زاد الحصار كلما زادت حاضنتنا الشعبية بإذن الله".

وواصل وديع الحوح حديثه: "كانت وصية الشهيد محمد العزيزي "ابو صالح" أن نكمل من بعده المشوار،  لقد كنا أصدقاء طفولة، لعبنا وكبرنا معًا، فرحنا معًا، رأينا عذابات البلدة القديمة معًا وواجهنا الخوف وواجهنا المصاعب معًا، وكنا السند لبعضنا البعض، وكم حاولوا تفكيكنا، ولم يستطيعوا وكم من مؤامرة انحاكت علينا، وكنا لهم بالمرصاد معًا، أبو صالح وعبود لم يكونا أصدقاء ورفاق درب فقط، بل كانا الروح والعين الساهرة لحماية الوطن، وكلامي لن يصف ما في قلبي لهم بل هم فتيل الاشتعال بوجه المحتل، إخوتي بعهد الله نحن لم يكن يجمعنا فصيل، ولكن جمعنا الله لنكون جنودًا له، نقاتل في سبيله وكلمة الحق ستعلو أصواتنا وراية الحق وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله سوف نرفعها بالتأكيد".

بعد هذا الحوار، فجر يوم الثلاثاء (25 تشرين أول/أكتوبر)، كان وديع الحوح هدفًا لعملية اغتيال، اغتيال حصرًا وليس اعتقال، بحسب ما أفادت به الإذاعة الإسرائيلية العامة، في عملية شاركت فيها وحدة النخبة في جيش الاحتلال "سيرت متكال". أسفرت العملية عن استشهاد وديع الحوح وأربعة شبان آخرين. ليخرج الآلاف في مشهد مهيب مودعين الشهداء الخمسة.

كان اغتيال وديع الحوح مظهرًا من مظاهر مرحلة "مختلفة ومعقدة"  قرر جيش الاحتلال التعامل بها مع شمال الضفة الغربية، تقوم على قمع العمل المقاوم مع تجنب دفع الأمور باتجاه انتفاضة شعبية ثالثة في جميع أنحاء الضفة

كانت عملية اغتيال وديع الحوح مظهرًا من مظاهر مرحلة "مختلفة ومعقدة" -بحسب وصف "يديعوت أحرنوت"- قرر جيش الاحتلال التعامل بها مع شمال الضفة الغربية، تقوم على قمع العمل المقاوم مع تجنب دفع الأمور باتجاه انتفاضة شعبية ثالثة في جميع أنحاء الضفة. هذه المرحلة التي يُمكن القول إنها بدأت فعليًا باغتيال تامر الكيلاني، من نشطاء "عرين الأسود"، في عملية ماتزال طريقة تنفيذها مجهولة.

يرى أستاذ الفلسفة والدراسات الثقافية عبد الرحيم الشيخ، أن ما يُكتب على الصفحات الخاصة بالعديد من المثقفين الفلسطينيين يشير أن مفهوم "الحاضنة الشعبية للمقاومة"، على أهميته الميدانية، لم يعد موضع نقاش اليوم، في ظل انبثاق الالتفاف الشعبي التلقائي بالتزامن مع أي عدوان احتلالي، والمشاركة في صدِّه، وحماية المقاومين بدلاً من الركون إلى أنهم هم حماة الوطن فحسب.

ويعتقد الشيخ أن من يشارك في جنازات الشهداء أو يشاهدها، من جنازة شيرين أبو عاقلة، إلى جنازة وديع الحوح، يوقن أن الجماهير التي لا تُسقط نعش الشهيد، لن تُسقط الفكرة التي استُشهد من أجلها.